recent
أخبار ساخنة

الشيخ/ سعيد بن صبر بن رسام الطليلي ( قاهر الاتراك وسالب الحصون )

 #شخصية_من_ريمة رقم الشخصية (14)

الشيخ سعيد بن صبر الطليلي

الرئيس الكبير 

تجمع المصادر الصادرة في العهد العثماني الأول في اليمن على أن منطقة ريمة ومنطقة يافع كانتا من أشد المناطق اليمنية تمرداً على العثمانيين، وأكثرها بأساً في المقاومة وأعنفها مواجهة. فقد ألحقتا بالأتراك خسائر فادحة، حتى غدا اليمن بفضلهما يستحق وصف "مقبرة الأناضول"؛ ذلك الوصف الذي يلخص حجم ما تكبده العثمانيون هناك من عناءٍ ودماءٍ وخسائر.

ومن بين كبار قادة المقاومة ضد الحكم العثماني تبرز شخصيةٌ طموحة صلبة، هي الشيخ سعيد بن صبر الطليلي، الذي لم يكتفِ المؤرخ الجرموزي بالإشارة إليه، بل نعته في مخطوطته "النبذة المشيرة" بلقب "الرئيس الكبير"، وهو لقب يكشف عن مكانته العسكرية والقبلية والسياسية في آنٍ واحد.

وقبل الولوج في تفاصيل هذه الشخصية، لا بد من التنبيه إلى أن ما وصلنا من أخبارها لم يأتِ من مصادر داخل ريمة متعاطفة معها، بل من مصادر معادية أو بعيدة عن بيئتها الأصلية؛ ولذلك لم نعثر على مدونات محلية تنصف هذه الشخصية من داخل ريمة نفسها. وربما كان بعض من كتب عنها من خصوم العثمانيين يورد أخبارها بشيء من التشفّي في الأتراك، إلا أن تلك الكتابات، على الرغم من تباين دوافعها، أجمعت على أن الشيخ الطليلي ومن معه كانوا يقاومون الظلم والجور الذي مارسه الأتراك، مع احتفاظهم في الوقت ذاته باعتقادهم بشرعية الخلافة العثمانية وحق السلطان في بسط نفوذه عليهم. فكانوا يخطبون للسلطان ويدعون له في خطبهم، ويحتفلون بأعياد السلطنة، بينما هم في الوقت نفسه يواصلون مقاومة عماله والمتنفذين المتسلطين عليهم.

المراجع التي وصلت إلينا في أخبار الشيخ الطليلي

وما عُثر عليه من معلومات عن الشيخ الطليلي لا يخرج عن المراجع الآتية:

  1. النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة في سيرة الإمام المنصور القاسم بن محمد بن علي، تأليف المطهر الجرموزي صاحب الثلاثية التاريخية، وهو مخطوط.
  2. اللطائف السنية في أخبار الممالك اليمنية، للكبسي.
  3. روح الروح فيما وقع بعد المائة التاسعة من الفتن والفتوح، تأليف عيسى بن لطف الله بن المطهر بن شرف الدين، وهو مخطوط ومطبوع.
  4. تحفة الدهر في نسب الأشراف بني البحر، تأليف العلامة محمد بن الطاهر البحر، وهو مخطوط.
  5. العثمانيون والإمام القاسم بن محمد بن علي، تأليف أميرة علي المداح، وهي باحثة سعودية نالت بها درجة الماجستير.
  6. الفتح العثماني الأول في اليمن، تأليف د/ سيد مصطفى سالم، وفيه معلومات قيمة عن ريمة وعن الفترة نفسها.

التقسيم الزمني لنشاطات الطليلي

يمكن تقسيم نشاطات الشيخ سعيد بن صبر الطليلي إلى ثلاث فترات زمنية رئيسية:

  • الفترة الأولى: مرحلة التوسع والسيطرة على الحصون بين 1007هـ – 1009هـ.
  • الفترة الثانية: مرحلة المواجهة ومصرع الباشا علي الجزائري بين 1009هـ – 1018هـ.
  • الفترة الثالثة: مرحلة إخراج العثمانيين من ريمة بين 1024هـ – 1027هـ.

المرحلة الأولى: الظهور والسيطرة على بعض الحصون

تكررت محاولات العثمانيين للسيطرة على جبال ريمة منذ أن وطئت أقدامهم اليمن، غير أنهم اصطدموا بعوائق طبيعية وبشرية ومادية، إضافة إلى صعوبات إيصال المدافع واستخدامها؛ إذ كانت تلك المدافع معدّة في الأصل للتعامل مع مناطق سهلية أو قليلة التعقيد والتضاريس، وهو ما لم تتوفر له ريمة، بما فيها من جبال وعرة ومسالك صعبة ومواطن حصينة.

وسنناقش هذا الأمر عند التوسع في دراسة هذه المرحلة، غير أن ما يهمنا هنا هو أن علي باشا الجزائري، كما يصفه الجرموزي، كان رجلاً طموحاً حضر من تركيا مع والده لتحصيل ديون والده التاجر عند بعض الباشوات، إلا أن والده توفي في اليمن قبل أن يُتم التحصيل. وبعد وفاة والده أقام في جبلة لممارسة التجارة، لكنه كان يطمح إلى منصب وسلطة، فشرع يدرس أسباب إخفاق الأتراك في السيطرة على ريمة.

وعرض على الباشا حسن أن يتنازل عن بعض ديون والده أو كلها مقابل توليته على ريمة، مع تعهده بفتحها والسيطرة عليها. ثم استعان بقبائل يمنية، وجنّد منها عساكر قادرة على صعود الجبال من وصاب والحداء ومشارق ذمار، كما تواصل مع قبيلة بني الضبيبي في ريمة، وعرض عليهم الشراكة، وضَمِن لهم الوفاء بكل ما يطلبونه. فاشترطوا عليه الجبرية وولاية الحصون مقابل مساعدته في السيطرة على ريمة، فوفّى لهم بذلك، وكشفوا له عن مكامن الأخطاء والعيوب، ورسموا معه خطة التحرك والهجوم.

وبعد معارك متتابعة تمكن من السيطرة على ريمة عام 1007هـ، فأذاق المواطنين فنون البلاء. ويصف الجرموزي تجارته التي نمت حتى إن إبر الخياطة فقط كانت تُحمل بها القوافل. ولا ندري إلى أي مدى تصح هذه الأخبار، غير أن المذكور قد أساء استخدام السلطة، حتى إن نمو سلطته وسطوته، ونمو تجارته وإمكاناته، أثار القيادات العثمانية في صنعاء، فحاولوا إقناع الباب العالي بتعيينه في منطقة أخرى، فتم تعيينه في حجة وصعدة، غير أنه ازداد سطوة ونفوذاً.

فأُقنع السلطان بإخراجه من اليمن، فعيّنه والياً على الحبشة، وخرج من اليمن. وكان مركز الباشا هو جبل ظلملم، الذي أصبح عاصمة لريمة في العصر العثماني. وكان الشيخ الجعفري صاحب ظلملم وأقاربه هم ملوك البلاد قبل السيطرة العثمانية، ويبدو أن علي باشا قد أسند إليهم ولاية المنطقة بعد رحيله.

وفي هذا السياق، كان الشيخ صبر بن رسام الطليلي وابنه سعيد يسيطران على حصن حزر، وربما كان هذا هو الحصن الوحيد الذي كان يملكه بنو الطليلي، وهو جزء من الحصون التابعة للجعفري. وكانت المنطقة الغربية من ريمة تُعرف باسم بلاد الجعفرية، بما فيها معظم منطقة كسمة.

وخلال العامين التاليين، استطاع الشيخ الطليلي أن يستغل الفرصة بعد إخراج علي باشا الجزائري من ريمة، فانطلق من حصن حزر للهجوم والسيطرة على عدد من الحصون، وضمها مع القرى التابعة لها إلى نفوذه، لتصبح ضمن حصون ومناطق بني الطليلي، بل وأصبح صاحب سطوة في المنطقة، ويداً طويلة لا يمكن تجاهلها.

المرحلة الثانية: عشر سنوات بين عزل الباشا وعودته إلى ريمة

على الرغم من الخدمة الجليلة التي قدمها الأمير الجزائري للدولة العثمانية، إذ أخضع إقليماً كان إخضاعه مستحيلاً، فإن هذا الانتصار وما رافقه من خطط وأساليب غير مسبوقة، دلّ على شخصية طموحة لن تقف عند حدود البقاء في ريمة. فقد رافقت هذه الطموحات مبررات أخرى دفعته إلى نقل المعركة من وصاب إلى ريمة وضمّهما تحت ولايته، ثم الاستبداد بأموالهما وخراجهما لصالحه.

وهنا شعر الوزير حسن في صنعاء أن نفوذ الباشا أخذ يتوسع نحو تهامة، وربما يسيطر على السواحل والموانئ والمنافذ البحرية، فاستدعاه من ريمة إلى صنعاء، وكرّمه ومنحه لقب باشا، وعيّنه والياً على شمال البلاد، بما يشمل صعدة وما إليها من البلدان، بما فيها جيزان والشرفين وبلاد عفار وتلك الجهات.

وكان ذلك في صفر 977هـ. وبعد عشر سنوات، لا ندري كم مكث الباشا في الإقليم الشمالي وكم في الحبشة، غير أن الجرموزي يشرح طموح المذكور ونجاحاته التي أخافت الوزير حسن، فرفع هذا الأخير تقريراً عاجلاً إلى الباب العالي في تركيا يقترح فيه إخراج الباشا علي الجزائري من اليمن مخرجاً جميلاً بتوليته الحبشة. فوافق السلطان، وصدر الفرمان بتوليته الحبشة، فاستمر فيها حتى ثورة الإمام القاسم بن محمد بن علي، واشتداد خطره، مما حتم على الوزير حسن طلب النجدة من السلطان، الذي كلّف الباشا علي الجزائري على رأس حملة عسكرية من الحبشة لنجدة الوزير حسن والي اليمن، وإخماد ثورة الإمام القاسم عام 1007هـ.

وفي هذه الأثناء كان الشيخ سعيد بن صبر قد استولى خلال تلك السنوات العشر على عدد من الحصون المجاورة لحصن حزر، بحيث نستطيع اليوم أن نجزم بأن المساحة الجغرافية التي يشملها مخلاف بني الطليلي هي ذاتها التي سيطر عليها آنذاك.

فإذا افترضنا أن البداية كانت من حصن حزر، وأن عزلة البفعة هي موطن الطليلي وأنصاره، فإن العزل التي سيطر عليها كانت: بني مصعب، شعف، بني منصور، سلوكه، بني عبد العزيز، بني القرصب، حصن كسمة، خنع، وحتى مقر الجعفري جبل ظلملم، وقد أصبحت كل تلك العزل تابعة لبني الطليلي.

ويجب أن ننوه هنا إلى أن العثمانيين عملوا على تثبيت وحصر أسماء العزل وحدودها وأقسامها، وتسجيلها في سجلات الدولة العثمانية، ومنع أي تغيير في الأسماء أو الحدود أو الأجزاء إلا بفرمان سلطاني، مما ساهم في تثبيت الأسماء التي نعرفها اليوم، والتي كانت تتغير بتغير أسماء الحصون أو أسماء المسيطرين عليها.

انتصارات الباشا الجزائري على الإمام القاسم 1007هـ

عشر سنوات فصلت بين الفترة التي تولى فيها الباشا علي ريمة عام 997هـ وبين عودته من الحبشة مدداً للوزير حسن والي اليمن عام 1007هـ بعد دعوة الإمام القاسم بن محمد بن علي. وقد تمكن الباشا خلال عامين من استعادة المدن اليمنية التي كانت قد خضعت للإمام القاسم، ثم عاد إلى ذمار، وغزا منها شرقاً وغرباً، وعمر قصرها المعروف، وأخذ الرهائن من غرب اليمن ومشارقه، حسب تعبير الجرموزي.

وعظم جانبه وأصبح مشهوراً، حتى إن أنصار الإمام القاسم كانوا يختفون في أسافل البيوت خوفاً منه، وعظم الأمر على الناس، وعجزوا عن مقاومته. ثم عاد إلى صنعاء منتصراً، والتقى بالوزير حسن، وكان الأخير ممتناً من صنيع الباشا وإنجازاته في إخماد ثورة الإمام القاسم، ومستعداً أن ينفذ له أي رغبة ويعينه في أي رتبة. فلم يطلب منه أكثر من الإذن له بالعودة إلى ولايته الأولى في ريمة، فلم يتردد الوزير حسن في تلبية طلبه، رغم حذره الشديد منه.

مقتل الباشا الجزائري على يد الشيخ سعيد بن صبر 1009هـ

في هذه الحادثة نكتفي بما أورده الجرموزي في مخطوطته النبذة المشيرة إلى جمل في عيون السيرة، كما ورد فيها، حيث قال:

"فلما وصل الباشا علي من الحبشة كما تقدم خرج عليهم محمد الزوم ومعه خمسة آلاف من العجم والعرب .. وفي بلاد ريمه كذلك وتمنعوا بسبب اشتغال الأتراك بحرب مولانا الإمام، فلم يتمكنوا من فتحها وتغلب عليها أهلها، ولضعف عقائدهم في أهل البيت كانوا يخطبون لسلطان الروم (العثماني) وينصون له وهم على مخالفته فنعوذ بالله من الزيغ الشديد والضلال البعيد، ولما اتفق ما تقدم ذكره من وصول علي باشا بعد قضية خولان دخل صنعاء متفقاً بالوزير حسن وكان فيما بينهما مصانعة وإظهار الصفاء وقد أحبه لتفريج كربه، وهو غير آمن له، ثم إن الوزير حسن خرج مشيعاً (مودعاً) للباشا علي إلى سنحان وأقام معه أربعة أيام، وقد خرج الباشا علي يريد فتح ريمه وما إليها وكان مغرماً بها. وكان مقيماً في ولايته الأولى في موضع منها يسمى (ظلملم) من مواضع بني جعفر، وكانوا ملوك ريمه، ولهم في موالاة العجم (العثمانيين) أخبار، فذلهم هذا الباشا علي في أيامه الأولى، ولهذا كان مبادرته إلى ريمه والعجلة إلى ذلك الموضع، وعرف أعداءه أنه لا يبرح عن تلك البلد ويمضي تلك الطريق. وقد توجه لفتح ريمه بجموع هائلة وأمراء كثيرة من العجم والعرب حتى أحط في بلاد الهان ..... ثم إلى بلاد يفعان موضعاً منها يسمى السلف وقتل قوماً وصلب آخرين وسلخ جلود قوم، قال الشيخ علي بن إبراهيم المقيح الأسلافي ثم الريمي إنه كان مع الباشا وكان أمر على عدة من العسكر لغزو بعض قبائل السلفية، لا خبر معهم بهذا الباشا، وأمر أن يقتلوهم ذكراً وأنثى وكبيراً وصغيراً، فأرسل الله مطراً مخالفاً للعادة تردد سبع مرات فحال بينهم وبين مقصدهم، فأمر هذا الطاغية بالكف عنهم ونجاهم الله .. وبسط في الظلم والجور بحيث انه استعجل الحبوب في غير أوانها وشحن حصن يقعان وحصون ريمه."

ثم تابع الجرموزي قائلاً:

"نعم ولما أراد الله إراحة المسلمين منه وكان الشيخ الرئيس صبر بن رسام الطليلي قد احتال على حصن حزر وملّكه وأخذه سابقاً على بني جعفر وغيره من حصون الجعفرية واستقر فيه وامتنع على العجم (العثمانيين) مده ثم ولده الشيخ الرئيس الكبير سعيد بن صبر بن رسام الطليلي كاتبه الباشا سنان سراً وأخرج بعض بني جعفر الذين كانوا معه في الاعتقال وأظهر أن صبر أغا الجعفري وأحمد بن علي بن سليمان الجعفري هربا واستجارا ببعض مشايخ أنس، ثم أدخلوهم حصنهم أنهم هاربون أو مفتسحون، وقد عرفوا من هوى هذا الباشا أنه يريد ظلملم على المعهود ولا يرضى بغيره فظهر سعيد صبر له الطاعة وكذا وهو حافظ نفسه وحصنه وبلاده منه، فعرفوا اليوم الذي ينزل فيه ظلملم، فكمنوا له في الليل في جانب الطريق مما يلي حصن حزر، وانحدرت جنوده في النقيل الذي ابتناه المسمى مرس بحيث أن مثله قليل في العمارة والصنعة العجيبة والطول وسهولة لكل دابة ضعيفة وغيرها، وقد عرفوا أنه يكون في آخر المحطة في خاصة مماليكه، فرماه بعضهم بحجر في رأسه ثم رماه آخر ببندق أصابت رأسه أيضاً، فاحتزت المماليك رأسه خوفاً لا تغلبهم القبائل، وقد قتل القبائل من قاتل معه من المماليك، فما راع أول المحطة إلا والصايح يقول قتل الباشا علي، فعادت الجنود فوجدوه مقتولاً هو وجماعة من مماليكه."

آثار مقتل الباشا علي في ريمة

سبق أن ذكرنا في الحلقة السابقة، اعتماداً على رواية الجرموزي صاحب النبذة المشيرة، أن أتباع الشيخ سعيد بن صبر الطليلي قد أقاموا كميناً في نقيل مرس لقتل الوالي العثماني الباشا علي الجزائري، وهو في طريقه إلى ظلملم على رأس حملة مكونة من خمسة آلاف من العرب ومثلهم من العجم. وقد عرفوا أنه يكون في آخر المحطة في خاصة مماليكه، فرماه بعضهم بحجر في رأسه، ثم رماه آخر ببندق أصابت رأسه أيضاً، فاحتزت المماليك رأسه خوفاً من أن تغلبهم القبائل. وقد قتل القبائل من قاتل معه من المماليك، فما راع أول المحطة إلا والصايح يقول: قتل الباشا علي، فعادت الجنود فوجدوه مقتولاً هو وجماعة من مماليكه.

وقد طلع أصحاب سعيد صبر إلى حصنهم وامتنعوا فيه، فحصل في الأتراك الذل، حتى لقد نهبتهم النسوان، ولاذوا إلى الأمير جعفر الجماعي اليمني، فدافع عن العثمانيين. وقد اجتمعت عليهم قبائل ريمة تحت قيادة الشيخ سعيد بن صبر، فحاصروهم في كسمة، وعظم الأمر حتى أخذوا الرفاقه من القبائل ومن الشيخ سعيد بن صبر.

ويقول الجرموزي: لقد أخبرني كثير من مشايخ الجهات المذكورة ممن حضر ورأى وسمع أنهم عرضوا على من يحمل معهم الخزائن والأثقال من القبائل بعد الصلح على خروجهم من البلاد، فأقبلت القبائل على أنهم يحملونها، والكاتب يكتب على كل شيخ وأصحابه ما حملوه إلى السهل للجمال، ويثبت اسم الشيخ واسم الحمال من أصحابه، حتى إذا أحس أحدهم أن حمولته مملوءة بالمال قال له الكاتب: ما اسمك؟ فقال الحمال: "اليك لك الشيخ داري"، فظن الكاتب أن ذلك اسمه فاثبته، فصارت مثلاً، ثم أخذت أكثر الخزائن مما حمله القبائل وتغلبوا عليها، ورضت المحاط الكثيرة بالسلامة.

ويروى أن هذا الكاتب أخذ عليه بعض مشايخ ريمة الدفتر من خوف العواقب، ثم قال فيما قال: إذا ذهب الدفتر فالخزائن موقعة في صدر هذا الكاتب، فاضطروا إلى اغتياله فاغتالوه وقتلوه كيلا يخبر بذلك، وخرجت المحاط إلى وصاب.

ويقول الجرموزي إن الإمام القاسم بن محمد بن علي كان في المحراب الأهْنُموم لما علم بقتل الباشا علي الجزائري في ريمة، فقال: قد كنا هممنا نصعد شهارة للحوزة حتى رأيت هذه الليلة البشرى قائلاً يقول:

وما من يدٍ إلا يدُ الله فوقها
ولا ظالمٌ إلا سيُبلى بظالمِ

أما القاضي جمال الدين علي يوسف الحماطي، والشيخ ناصر راجح، وصنوه الشيخ عاطف، ومن انضم إليهم من أنصار الإمام القاسم، فإنه لما صح لهم قتل الباشا المذكور خرجوا من الاختفاء، وبدأوا باستمرار أنشطتهم المناهضة للعثمانيين، وكان قتل الباشا نصراً للإمام القاسم وأنصاره.

مستقبل ريمة بعد هزيمة الحملة العثمانية في العقود اللاحقة

استمر الوضع عشر سنوات، والشيخ سعيد بن صبر مسيطر على البلاد، ولم تحاول الدولة العثمانية إرسال أي حملة جديدة حتى نهاية عام 1018هـ، حسب رواية الجرموزي. أما البحر في المنصورية في تحفة الدهر فقد قال إنه في سنة تسع عشرة جهز الأمير جعفر الأمير عبدالله شلبي إلى ريمة، التي هي ولاية مستقلة وفيها من الفواكه والأعناب والابنان والأعيان جملة مستكثرة، فاستولى على حصونها ومهدها وقرر قواعدها، ثم توجه إلى الوزير جعفر فجعله كيخيا، وخلع عليه خلعة سنية، واستناب يوسف آغا على ريمة.

وبعد خمسة أعوام، يعود الشيخ سعيد بن صبر ليتزعم مقاومة جديدة، تمكن من إحراز النصر على الحاميات العثمانية ومحاصرتها ومحاولة الفتك بها، لولا استعانة العثمانيين بالسادة من بني بحر بالمنصورية للتوسط وإخراجهم سالمين من ريمة. فصعد والد المؤلف إلى ريمة لاصطحاب القادة العثمانيين بوجهه من ريمة إلى تهامة، بينما يعود سعيد صبر إلى إحكام السيطرة على ريمة من جديد.

ويقول البحر:

"وفي سنة 1024هـ قام سعيد صبر صاحب حزر بضم الحا وفتح الزاي على الأمير محمد بوتج وخالفت ريمة عليه كلها. ونزل الأمير محمد مرفقاً على يد سيدنا الوالد والجماعة السالفي الذكر إلى بيت الفقيه ثم طلع صنعاء فتسلم البلاد الريمية سعيد صبر وحكمها وعظم سلطانه بها."

بقلم المؤرخ الأستاذ حيدر علي ناجي العزي
#شخصية_من_ريمة
اعاد صياغتها وجمعها : م. محمد غالب السعيدي


رابط المنشور على صفحة شخصية من ريمه على فيسبوك هنا

google-playkhamsatmostaqltradent