#شخصية_من_ريمة الشخصية رقم(225)
الشيخ غالب المسوري (رحمه الله)
1939 – 2019م
الميلاد والنشأة
وُلد الشيخ غالب المسوري عام 1943م في قرية العارضة، عزلة مسور، مديرية مزهر، محافظة ريمة. نشأ في بيئة ريفية بسيطة، لكنها عامرة بالقيم الدينية والاجتماعية الأصيلة، فارتبط منذ طفولته بالموروث القبلي النبيل، والتربية الإيمانية المتجذّرة في المجتمع الريمي.
كان في بواكير شبابه ميّالًا للحرية، رافضًا للظلم، عاشقًا للسمو في أبهى صوره، فتكوّنت شخصيته على الصدق، والصلابة، والاعتزاز بالقيم.
الأسرة والإرث التربوي
تزوّج –رحمه الله– أربع زوجات، وخلف أسرة كبيرة بلغت 17 ابنًا و13 بنتًا، من بينهم 12 حافظًا للقرآن الكريم و12 حافظة.
وعند وفاته عام 2019م كان لديه 70 حفيدًا، منهم 30 حافظًا لكتاب الله، في مشهد يجسّد أثره التربوي العميق، ويؤكد أن رسالته في خدمة القرآن والعلم لم تتوقف برحيله.
التعليم وبناء المنظومة العلمية
يُعد الشيخ غالب المسوري أحد أعمدة التربية والتعليم في محافظة ريمة، ومن روّاد تأسيس المعاهد العلمية في اليمن، حيث عمل جنبًا إلى جنب مع:
- القاضي الفسيل
- الشيخ عمر احمد سيف
فكانوا –بحسب وصف معاصريهم– عمالقة التأسيس الذين نذروا أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم لنشر العلم الديني الواعي والمتسامح.
ساهمت المعاهد العلمية التي شارك في تأسيسها في ترسيخ قواعد المعرفة، وتأصيل منظومة القيم الجمعية، ومحاربة الأمية، وإخراج أجيال الثورة من دائرة الجهل والفقر والانقسام إلى فضاءات الاعتدال والوسطية والتوافق المجتمعي.
كما تولّى رئاسة عدد من دور القرآن الكريم، والمعاهد العلمية، ومعاهد المعلمين، وكان حاضرًا في كل جهد يهدف إلى بناء الإنسان علميًا وأخلاقيًا.
الحضور السياسي والاجتماعي
كان الشيخ غالب شيخًا قبليًا بارزًا من مشائخ ريمة، عُرف بالحكمة والعدل وسداد الرأي.
ومن أبرز أدواره:
- عضو المجلس المحلي لمحافظة ريمة عن مديرية مزهر.
- رئيس شورى الإصلاح في المحافظة، ومن المؤسسين الأوائل للحزب.
- رئيس ومؤسس عدد من المؤسسات الخيرية التي نفذت عشرات المشاريع التعليمية والتنموية والخدمية.
لم يكن حضوره سياسيًا شكليًا، بل كان امتدادًا لقناعاته الإصلاحية والوطنية، حيث جمع بين العمل الحزبي المسؤول، والاستقلال في القرار، والانحياز الدائم للحق.
المواقف الوطنية والدينية
ينتمي الشيخ غالب إلى جيل التأسيس الوطني الإسلامي الذي انتصر لقيم ، مؤمنًا بأن الحرية والعدالة والمساواة هي جوهر الثورة وروحها.
كان –بحسب وصف المقربين منه– يدور مع الحق حيث دار، لا تقيده المصالح، ولا تفتنه المغريات، استعصى على الترغيب، وواجه الترهيب بثبات المؤمن الواثق.
لم يتخلّف عن واجب وطني، وكان بنفسه وماله وأهله في مقدمة المدافعين عن الخيارات الوطنية.
وقد جمع بين الصدق الوطني، والعاطفة الدينية المشعّة، فكان نموذجًا للزهد مع الفاعلية، وللعبادة مع العمل العام.
عاش للقرآن… وبالقرآن
أعظم ما ميّز الشيخ غالب المسوري أنه عاش للقرآن، وبالقرآن، ومع القرآن؛ تلاوةً وعملاً، إيمانًا وسلوكًا، رسالةً وموقفًا.
انعكس ذلك في أسرته، وفي طلابه، وفي المؤسسات التي أنشأها، حتى صار القرآن محور حياته وميراثه الأجمل.
الوفاة
انتقل إلى جوار ربه يوم 2 فبراير 2019م الموافق 27 جمادى الأولى 1440هـ، ودُفن في مسقط رأسه بقرية العارضة، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي، والعمل الوطني، والخدمة المجتمعية.
في ذاكرة ريمة
وُصف بأنه ثالث عمالقة التأسيس بعد القاضي الفسيل والشيخ عمر أحمد سيف، ممن حملوا على عواتقهم رسالة نشر العلم الديني الأصيل، وبناء منظومة القيم في المجتمع اليمني.
رحم الله الشيخ غالب المسوري، الرجل الصادق، المجاهد التقي، الذي جمع بين شرف الدنيا ومجد التاريخ وثواب الآخرة، وترك في ريمة واليمن أثرًا لا يُمحى.
✍️ بقلم: شخصية من ريمة
الشيخ المسوري ...ثالث عمالقة التأسيس
بقلم / علي محمود يامن
قليلون هم أولئك الرجال الذين يغرسون مكانتهم في القلوب والعقول ، كما تنحت أزامير الحديد أعمق الصور وأجمل النقوش على صلاص الاحجار ، وقوالب الصخور ! منهم الفقيد الراحل إلى جنات الخلد -بإذن رب العالمين - المجاهد العابد ،التقي، النقي، الشيخ / غالب بن علي المسوري، أحد أقطاب الحركة الوطنية الإسلامية، من جيل التأسيس -الصادق الزاهد- لمنظومة الخير بكل فروعه وأشكاله وألوانه ، إنه الرجل الصلب الذي تمتع بكل صفات الرجولة والاباء ، وحمل عن قناعة كل مفردات القيم الراقية ، ومعاني المثل العظيمة ، يحاول اليراع هنا أن يكتب عن الرجل بمنهجية المؤرخ؛ وإن كان وجدان الكاتب يشده إلى مربع المُعزي والمُعزىَ معاً ، فقد كان الراحل بمثابة الأب الصديق لكاتب الأحرف، كما هو كذلك للكثيرين ، فالمصاب به عظيم، والخسارة بفقده فادحة ! ربما لخصوصية العلاقة الحميمية التي جمعتني به ، الإيثار الزائد ، والعطف الشديد الذي كان يسبغه علي، أو حتى لطبيعة الامتداد الزمني لتلك العلاقة المتوارثة والتي ابتدأت بصداقة نضالية حميمية ، وأخوة ودية تعاونية مع الوالد -رحمة الله عليهما معا - لكن اليراع يتغلب في موقف العظماء ؛ ليقف على مفردات تاريخ الرجل الوضاءة ، ويشد انتباه المتلقي عند سيرته المترعة بالعطاء ، المليئة بالإنجاز، التي جمعت بين شرف الدنيا ومجد التاريخ وثواب الأخرة .
بدأ حياته البسيطة والعميقة - في آن واحد- بنفس نزاعة للحرية ، مقاومة للظلم بكل معانية، والعاشقة للسمو في أجمل صوره
فانتصر لقيم الثورة السبتمبرية الخالدة ، ونذر حياتة لتحقيق اسمى أهدافها، المتمثل بالحرية والعدالة والمساواة ، من حيث يدري أن تلك القيم هي جوهر الثورة، وأسمى أمانيها، أو من حيث إيمانه المجسد لفطرته السليمة إن غابت عنه مفردات الوعي الثوري ، في بواكير سنين شبابه الأولى، أو حضرت في وعيه المبكر تلك القيم الوطنية السامقة؛ التي هي جوهر الدين، وديدن الشرع، ومحور العلاقات الإنسانية السوية والراقية .
الشيء المؤكد أنه كان خلاصة الصدق الوطني، والعاطفة الدينية المشعة ألق وعزة في ذلك الجيل الكريم .
لم يقف عطاؤه عند حد النضال على الموروث الإجتماعي المرتبط بثقافة الإمامة الظالمة، ومخرجاتها الصدئة، من الجهل والفقر والمرض ، فنهج منهج نشر العلم، ومحاربة الأمية، وبذل جهودا جبارة في إتاحة المنظومة المعرفية، لكل من يستطيع من أجيال الثورة المتعاقبة، فنذر حياته لنشر المعرفة ، وبناء محاضن العلم، وصفوف التربية .
كان احد أهم شخصيات الوطن ، التي أسست احد أهم المؤسسات التربوية والتعليمية في اليمن، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، والمتمثلة في المعاهد العلمية، التي رسخت قواعد المعرفة ،وأصلت لمنظومة القيم الجمعية ، وحققت أعلى قدر من التوافق المجتمعي، والانسجام المعرفي ؛ في كل ربوع الوطن، وأخرجت اليمن من مربع الانقسام الطائفي، إلى فضاءات الإتحاد المجتمعي، والثقافي، والفلسفي، والإنصهار في مفاهيم الوسطية والإعتدال .
كان -رحمة الله عليه- حسب تعبير أحد أصدق قيادات البلد -في تعليقه على فداحة الخسارة الوطنية لرحيل هذا العلم الوطني الشامخ - ثالث ثلاثة، هم عمالقة التأسيس ( القاضي الفسيل، والشيخ عمر أحمد سيف، والشيخ غالب المسوري ) نذروا أنفسهم، وأموالهم وأوقاتهم بإخلاص وتفاني، لنشر العلم الديني المتسامح، والواعي ،والاصيل ، مع ثلة مباركة من أبناء ذلك الجيل المؤسس .
ما يميز الشيخ غالب المسوري -رحمة الله عليه- أنه كان يدور مع الحق حيث دار، ويتوقف عند فضيلة الحقيقة أنى وقفت...! لا تقيده المصالح ، ولاتفتنه الأهواء، ولا تأخذه العزة بالإثم. ..! استعصى على كل صنوف الترغيب، وجابه كل أنواع الترهيب ..!
ليقف صامدا في وجه كل تلك المغريات والمخاطر، وليكون مع الحق والحق فقط وفقا لما يؤمن ويعتقد ...!!
لم يغب المسوري عن أي واجب وطني طوال سنين عمره الطويلة، كان بنفسه، وماله وأهله، وقبيلته في مقدمة المدافعين عن الخيارات الوطنية .
حضر بفعالية واقتدار في كل مناحي العطاء الوطني ،والإنساني، والخيري، وساهم في شتى صنوف المسؤؤلية الإجتماعية، والواجبات الإنسانية .
ألا إن أهم وأعظم وأكرم وأفضل ما يميز الرجل ؛ أنه عاش للقرآن، وبالقرآن، ومع القرآن -عملا وتلاوة، ايمانا وفعلا، رسالة واعتقادا، جهدا وجهادا- حتى توافه الله- تبارك وتعالى- على تراتيل آيات الذكر الحكيم !!!
ربما أن مد الله لنا بالعمر أن نتعبده تعالى بكتابة سيرة هذا المجاهد بدماء قلوبنا لا بحبر أقلامنا ....!! لأننا عندما نعجز أن نكون مثل هولاء العظماء؛ فلا أقل من أن ننقل للأجيال تلك الصفحات المشرقة، من سيرة صحابة العصر وأتقياء الزمن المعاصر.
رحم الله الشيخ، الحافظ ،الورع، غالب المسوري ،وأسكنه فسيح جناته .
وحفظ الله اليمن من كل سوء ، ،،

