#شخصية_من_ريمة رقم الشخصية (49)
![]() |
| م.قاسم الريمي رحمه الله |
أولاً: الإشراقة والنشأة الأولى
في أحضان قرية "العرب" المترامية على سفوح عزلة "بني شرعب" التابعة لناحية الجبين بمحافظة ريمة الشاهقة، أبصر قاسم علي الريمي النور عام 1954م. تنفس عبق الجبال واكتسى من صلابة تضاريسها عصاميته الأولى. غير أن وطأة الاضطهاد والظلم الذي فرضته حقبة الحكم الإمامي الفردي اضطرت والده في أوائل الستينيات (عام 1961م) إلى الهجرة بمهجته وأسرته نحو محافظة الحديدة، حيث ابتاع قطعة أرض وشيّد عليها مسكناً شعبياً ألمّ شمل الأسرة المكابدة حتى عام 1967م. ومع انجلاء تلك الظروف القاسية وزوال أسباب الجلاء، قرر الوالد العودة إلى مسقط الراس بريمة، بينما استقر الفتى قاسم في كنف بيت الدكتور حسن مكي بمدينة الحديدة؛ وهي الأسرة الكريمة التي ارتبط بها لاحقاً برباط المصاهرة والأخوة.
ثانياً: مكادحة العصامية ومسيرة العلم
كان والد قاسم حافظاً لكتاب الله، متفقهاً في أمور دينه، ذا بصيرة نافذة؛ فرأى في نجله قبس ذكاء ونباهة يستحق الرعاية، فقرر إبقاءه في المدينة لإكمال تعليمه، على أن يزور الأسرة في الإجازات. خاض قاسم معركة العصامية بكل شرف وشجاعة؛ فكان ينهل من العلم نهاراً، ويسعى في طلب الرزق مساءً بالعمل في عيادة أحد أقاربه لتوفير مصاريف دراسته، حتى توّج هذا الكفاح بنيل شهادة الثانوية العامة عام 1978م بتفوق باهر.
أثمر ذلك التفوق عن منحة دراسية حكومية للطب في سوريا، غير أن شغفه بالهندسة ورغبته في الإسهام ببناء العمران جعلاه يتبادل المنحة مع طالب آخر نال منحة هندسة في المملكة العربية السعودية وكان يرغب في دراسة الطب. ورغم أن أغلب من استشارهم أشاروا عليه باختيار الطب، إلا أنه حسم أمره بيقين ورؤية ملهمة قائلاً: «كلٌ ميسر لما خلق له، وأنا أرى نفسي وشخصيتي لا يناسبها إلا الهندسة».
ابتعث قاسم إلى كلية الهندسة بجامعة الملك فهد بالرياض بالمملكة العربية السعودية، وفي عامه الدراسي الثاني فُجع برحيل والده رحمه الله، فاستجمع صبره ومضى في طريقه حتى تخرج مهندساً عام 1985م. وعقب عودته إلى أرض الوطن، أدى الخدمة العسكرية الإلزامية في قطاع الأمن المركزي وفاءً وتأديةً للواجب الوطني.
ثالثاً: الرباط الأسري والاجتماعي
في يناير من عام 1986م، عقد المهندس قاسم الريمي قرانه على الأستاذة الفاضلة بلقيس إبراهيم مكي، لتتوج علاقة الجوار والمحبة بالرباط المقدس، ورزقه الله منها بولدين هما: محمد ومروة، ليكون لهما الأب المربي والقدوة النبيلة.
رابعاً: الميدان والمهنة.. هندسة الأثر والعمران
لم يبتغِ المهندس قاسم الوظائف المريحة، بل افتتح مسيرته العملية بالتوجه إلى أقصى الهامش؛ حيث عمل لمدة سنتين في المناطق النائية بمحافظة الجوف، ينشئ ويصمم ويضع اللبنات الأولى. انتقل بعدها للعمل مهندساً مصمماً في الإدارة العامة للشؤون الهندسية بوزارة الشباب والرياضة لمدة عامين.
وفي عام 1990م، التحق بوزارة الأشغال العامة والطرق، ليصبح أحد أعمدتها المشهود لهم بالبنان؛ حيث أشرف على تنفيذ وتصميم العديد من الطرق العامة والشريانية في مختلف أرجاء اليمن. واكتسب سمعة رفيعة بين زملائه وأقرانه، إذ طغت نزاهته وحسن تعامله وتمكنه المهني على كافة تفاصيل حياته العملية، محولاً الهندسة من مجرد خرسانة وأسفلت إلى فلسفة أخلاقية سامية.
خامساً: الترجل التراجيدي وتلبية النداء
عقب إعلان "ريمة" محافظة مستحدثة عام 2004م، استنفرت المحافظة خيرة أبنائها لتخطيط مستقبلها. وفي عام 2005م، وجه المحافظ الأول للمحافظة، اللواء أحمد مساعد حسين، دعوة رسمية للمهندس قاسم الريمي للانضمام إلى لجنة الإعداد والتحضير لورشة العمل التنموية الكبرى بمدينة الجبين.
لبّى قاسم نداء موطنه الأصلي دون تردد، وانطلق بسيارته يطوي الطرقات نحو الجبين. وفي يوم الثلاثاء الموافق 5 أبريل 2005م، بالقرب من مدينة باجل، تعرضت سيارته لانقلاب أليم، ليرتقي المهندس النبيل شهيداً للواجب والوطن قبل انعقاد الورشة بثلاثة وخمسين يوماً، تاركاً خلفه لوعة الفقد وذهول المحبين.
سادساً: صدى الوفاء وفلسفة الأخلاق
لم ينتهِ أثر قاسم بالرحيل؛ بل ظل حاضراً في الذاكرة الوطنية والأدبية. ففي الذكرى الخامسة لرحيله (أبريل 2010م)، احتفت جمعية اليمانية الاجتماعية التنموية ونخبة من مثقفي اليمن بصدور كتاب توثيقي متميز للباحث والمحامي الأديب مهدي الحيدري بعنوان: «فلسفة الأخلاق: المهندس قاسم الريمي.. بعض الحقيقة بعض الوفاء».
أقيمت الفعالية الاحتفائية بقاعة بيت الثقافة بصنعاء، بحضور وزير الثقافة الدكتور محمد أبوبكر المفلحي، ومستشار رئيس الجمهورية الدكتور حسن مكي، وأستاذ العلوم السياسية الدكتور جلال فقيرة، إلى جانب جمع غفير من النواب والأكاديميين والأدباء، منهم: الباحث ثابت الأحمدي، والمحامي مهدي الحيدري، ومختار القعاري، ومحمد قاسم الريمي. واستعرض الحاضرون المنهج السلوكي والأخلاقي الفذ الذي اختطه الراحل كنموذج يمني فريد في التفاني والنزاهة والصدق.
كما شهدت الاحتفائية تكريم المؤلف المحامي مهدي الحيدري ورجل الأعمال داود داود تقديرًا لجهودهما في إصدار الكتاب، وشاركت كوكبة من شعراء اليمن بألقاء قصائد رثاء وتخليد، منهم الشعراء: مفضل إسماعيل غالب، ومحمد إسماعيل الأبارة، وفؤاد المحنبي، وصالح بن أحمد، وسلطان الدعبوش، وزين العابدين الضبيبي.
وقد جسد المهندس والشاعر محمد إسماعيل الأبارة هول الفاجعة بنص أدبي باذخ صَدَّرَ به ديوانه «هزيم» (2019م)، تحت عنوان «نحيب الحرف»، خَاطَبَ فيه روح الراحل قائلاً:
نحيبُ الحرْف إلى روحِ القصيدةِ الخضراء الراحلةِ في مُقْتبل التضوُّع المهندس/ قاسم الريمي
مُثْخَناً بالضوءِ كان,
البلابلُ والسنابلُ كَمِ بهِ غنَّت وكان لها القصيدةَ واللُّحونْ..
ذو صباحٍ كان يُسْمَعُ هاطلاً وَيُرىٰ رَذاذاً في تفاصيل الزهورِ, رأوهُ يوما وهوَ يُهديْ النهرَ نعليهِ لكي يطأَ الحقولَ,
وينسجَ الوديانَ غيمُ فؤادِهِ قُبَلَ اخضرار..
قاسم الريميُّ..
تنتحبُ العنادلُ والجداولُ في جنازتهِ,
وترفعُهُ معاريجُ القلوبِ إلى رحاب الله.
هذا القاسمُ المعزوفُ من ضَحِكِ الطفولةِ, بعد أن ألقىٰ علىٰ رهَجِ الزنابقِ فَيْأهُ خمسين عاماً,
فجأةً يمضي ويتركنا على جُرُفِ الذهولِ بلا شراعً , نحتسيْ أوجاعَنا.
فَلِمَنْ يَرِفُّ الشوقُ في وَتَرِ ( المهاجل)؟
موسماً للانهمارِ وللتَّضَوُّعِ كان..
وكان قاسمُ حقلَ شِعرٍ مُثخناً بحُروف إشعاعٍ وماءْ..
يا قاسمِ الريميَّ ,
في (وادي الرباط ) الزهرُ يأنسُ إن رآكَ, طيوبُهُ بكَ تملأُ الآفاقَ , كيف تُراهُ يَعْبَقُ بعد أن غادرتَهُ!
يا قاسمَ العربيِّ ..
كم سكنتكَ آلامُ العروبةِ,
كم سَبَرْتَ جراحها, وتلوتَ آيَ شفائِها للصُّم.
يا غيثاً تهامىٰ مِنْ سحابِ الوعيِ لمْ يهدأْ
..وسوفَ يحِيْنْ..
2005
تنسيق وإعداد التوثيق الأصلي: م. محمد غالب السعيدي (خاص بصفحة شخصية من ريمة - 2 أكتوبر 2020م).
خاص بصفحة #شخصية_من_ريمه
رابط المنشور على صفحة شخصية من ريمه على فيسبوك هنا



