#شخصية_من_ريمة الشخصية رقم (124)
مقدمة
ليست كل الشخصيات الرياضية تُقاس بعدد البطولات التي حققتها، ولا بعدد الميداليات التي تقلدتها؛ فثمة رجال يتركون أثراً أبقى من الذهب، لأنهم يصنعون اللعبة قبل أن يصنعوا أمجادهم فيها، ويؤسسون للأجيال قبل أن يفكروا في إنجازاتهم الشخصية. رجل ديناميكي لا يتوقف، ومغامر صريح جمع بين دبلوماسية النشأة وصلابة الروح القتالية.
ومن بين هذه الشخصيات الاستثنائية، يبرز اسم الكابتن عدنان عبدالله حمود الريمي، بوصفه واحداً من أبرز رواد رياضة الكاراتيه في الجمهورية اليمنية، وأحد الرجال الذين ارتبط اسمهم بتاريخ هذه اللعبة منذ خطواتها الأولى. فقد كرّس أكثر من أربعة عقود من حياته لتعليم الكاراتيه ونشرها، حتى غدت جزءاً أصيلاً من الحركة الرياضية اليمنية، بعد أن كانت رياضة مجهولة لا يعرفها إلا القليل.
لم يكن مشروعه مجرد تدريب على فن قتالي، بل كان مشروعاً تربوياً ووطنياً، يقوم على بناء الإنسان قبل بناء البطل، وإعداد الشخصية قبل إعداد اللاعب. ولذلك تحولت مسيرته إلى إرث ممتد، واجه في بدايته عقبات التعصب والوعي المجتمعي، لكنه عبرها بإرادة صلبة ليصنع حراكاً رياضياً غير مسبوق.
أولاً: المولد والنشأة... بيئة جمعت السياسة بالرياضة
ولد الكابتن عدنان عبدالله حمود الريمي في 11 يناير 1964م بحي بئر العزب في العاصمة صنعاء، لأسرة عريقة تعود جذورها إلى قرية جبل ريم، عزلة بني أحمد، مديرية الجعفرية، محافظة ريمة؛ وهي البيئة الريفية الولودة التي عُرفت بإسهامها العلمي والإداري والوطني. ورغم ولادته واستقراره في صنعاء، ظل انتماؤه لريمة حاضراً في وجدانه كأصل يعتز به طوال مسيرته.
نشأ عدنان في بيت جمع بين الثقافة، والدبلوماسية، والرياضة؛ فوالده هو السفير عبدالله حمود الريمي – رحمه الله – الذي عُيّن سفيراً للجمهورية العربية اليمنية لدى المملكة المغربية في بداية عام 1978م، وكان الوالد نفسه من الرعيل الرياضي الأول في اليمن، وأحد أبرز نجوم كرة القدم والمؤسسين الأوائل لنادي أهلي صنعاء.
هذا المناخ الأسري شكّل وعي عدنان مبكراً على قيم الانضباط، والاعتماد على النفس، واحترام الوقت، والنظر إلى الرياضة كوسيلة لبناء الأخلاق لا مجرد ترفيه.
ثانياً: البدايات في المغرب... حين قاد الأب ابنه لطريق البطولة
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، انتقلت الأسرة إلى المملكة المغربية بحكم العمل الدبلوماسي للأب. وبفضل الخلفية الرياضية للوالد وإيمانه بأن الرياضة تصنع الشخصية، ألحق ابنه وهو في الثالثة عشرة من عمره بـ الجامعة الملكية المغربية للكاراتيه، بالتزامن مع دراسته للمرحلة الإعدادية في العاصمة الرباط.
لم تكن الكاراتيه لعدنان مجرد حركات دفاعية، بل أصبحت أسلوب حياة ومنهج تفكير. كان والده يتابع تقدمه يوماً بعد يوم، حاملاً حلماً كبيراً بأن يكون ابنه أول يمني يصل إلى أعلى المراتب في هذه اللعبة.
وفي عام 1982م، تُوّجت تلك الرحلة بحصوله على الحزام الأسود من الجامعة الملكية المغربية، ليصبح من أوائل اليمنيين الذين نالوا هذه الدرجة الرفيعة، وكان هذا الإنجاز نقطة التحول التي وجهت بوصلته نحو خدمة وطنه فور عودته.
ثالثاً: التعليم والتكوين الأكاديمي
تأثرت رحلة الكابتن عدنان التعليمية بتنقل والده الدبلوماسي، مما أتاح له فرصة العيش في أكثر من بلد عربي واكتساب تجارب ثقافية متنوعة.
المرحلة الابتدائية:
بدأها عام 1971م في مدرسة جمال جميل بصنعاء، ثم انتقل مع أسرته إلى المملكة العربية السعودية حيث واصل دراسته في إحدى مدارس مدينة جدة من الصف الثاني حتى الرابع، قبل أن يعود إلى صنعاء ليكمل الصفين الخامس والسادس في مدرسة سبأ، ويحصل على الشهادة الابتدائية عام 1977م.المرحلة الإعدادية:
درسها في العاصمة المغربية الرباط، وأنهاها عام 1981م، بالتزامن مع انتظامه في الدراسة الرياضية بالجامعة الملكية المغربية للكاراتيه.المرحلة الثانوية:
بدأ الصف الأول الثانوي في الرباط، ثم عاد إلى اليمن بعد انتهاء مهمة والده الدبلوماسية عام 1982م، وأكمل المرحلة الثانوية في ثانوية جمال عبدالناصر بصنعاء، متخرجاً من القسم الأدبي عام 1985م.التعليم الجامعي:
واصل تعليمه العالي في كلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء، ونال درجة البكالوريوس في العلوم السياسية عام 1994م، مؤكداً أن الرياضي الحقيقي يجمع بين قوة الجسد ورجاحة الفكر.رابعاً: العودة إلى اليمن... حين تحولت الشوارع والحدائق إلى صالات تدريب
عاد الكابتن عدنان إلى اليمن عام 1982م وهو يحمل الحزام الأسود وشغفاً كبيراً لنشر لعبة الكاراتيه، لكنه اصطدم بواقع لم يكن يعرف هذه الرياضة إلا في نطاق ضيق، بينما كانت كرة القدم تستأثر باهتمام الشباب والجماهير.
بدأ محاولاته داخل نادي وحدة صنعاء، ثم انتقل إلى نادي الشعب، حيث كان يقدم عروضاً استعراضية داخل ساحات الأندية أملاً في جذب اللاعبين، إلا أن التجربة لم تحقق النتائج المرجوة، ولم ينضم إليه في البداية أي لاعب.
غير أن الإحباط لم يثنه عن مواصلة رسالته، فابتكر أسلوباً جديداً للتعريف باللعبة، يتمثل في نقلها من أسوار الأندية إلى الأماكن العامة، فكان يقدم عروضاً استعراضية بين شوطي مباريات كرة القدم في ملعب الظرافي، أمام آلاف الجماهير، كما اعتاد إقامة عروض أسبوعية في حديقة الثورة بصنعاء كل يوم جمعة، حتى أصبحت تلك العروض حدثاً ينتظره الزوار.
وبمرور الوقت بدأت اللعبة تجد طريقها إلى قلوب الشباب، وبدأ الإقبال عليها يتزايد عاماً بعد آخر، لتتحول تلك المبادرات الفردية إلى النواة الحقيقية لانتشار الكاراتيه في اليمن.
خامساً: تأسيس معهد صنعاء للكاراتيه (1986م)... مواجهة التعصب وصناعة البداية
بعد ثلاث سنوات من عودته إلى اليمن، وبعد أن اكتسب خبرة واسعة في التدريب والتعريف باللعبة، أدرك الكابتن عدنان أن الكاراتيه تحتاج إلى كيان مستقل يحتضنها بعيداً عن الأندية الكروية التي كانت تخضع للتعصب الرياضي آنذاك.
وكان كثيراً ما يذكر أن اللاعب لم يكن يستطيع الالتحاق بأحد الأندية إلا إذا كان من مشجعيه، كما أن إدارات بعض الأندية لم تكن تنظر بعين الاهتمام إلى رياضات الفنون القتالية.
ولهذا اتخذ قراراً جريئاً بتأسيس أول صالة متخصصة بالكاراتيه في اليمن.
وفي 13 مارس 1986م، أسس معهد صنعاء للكاراتيه بمنطقة نقم شرق العاصمة صنعاء، ليكون أول معهد رياضي متخصص بالفنون القتالية في الجمهورية اليمنية، وتزامن تأسيسه مع إنشاء الاتحاد العام للكاراتيه، فشكّل ذلك نقطة تحول تاريخية في مسار اللعبة.
ومنذ ذلك التاريخ أصبح المعهد مدرسة وطنية خرّجت آلاف اللاعبين والمدربين والحكام، وما يزال حتى اليوم يؤدي رسالته في إعداد الأجيال الجديدة.
سادساً: تأسيس لعبة الكاراتيه في الجيش والجامعة
لم يتوقف مشروع الكابتن عدنان عند حدود المعهد، بل اتجه إلى مؤسسات الدولة التعليمية والعسكرية، إيماناً منه بأن الرياضة وسيلة لبناء الإنسان والانضباط.
في الجيش:
أثناء أدائه خدمة الدفاع الوطني الإلزامية خلال عامي 1986–1987م، عرض فكرة إدخال لعبة الكاراتيه ضمن برامج التدريب العسكري في معسكر الأمن المركزي.
وقد لقي المشروع ترحيباً من قيادة المعسكر، فأسس اللعبة هناك، ودرب المجندين حتى تخرجت دفعة كاملة من حملة الأحزمة الملونة، كان لها دور بارز لاحقاً في نشر اللعبة في مختلف المحافظات.
في جامعة صنعاء:
بعد التحاقه بكلية التجارة والاقتصاد، تعاون مع الكابتن الراحل سمير العقر في تأسيس النشاط الرياضي الخاص بالكاراتيه داخل الجامعة، وبدأ تدريب طلاب مختلف الكليات، لتصبح الجامعة إحدى أهم البيئات التي خرجت العديد من لاعبي الكاراتيه في اليمن.
سابعاً: ريادة تدريب الفتيات... خطوة سبقت عصرها
يُعد الكابتن عدنان الريمي من أوائل الرياضيين الذين آمنوا بحق الفتاة اليمنية في ممارسة الرياضة.
ففي عام 1995م بدأ تدريب أول فتاة يمنية في معهد صنعاء للكاراتيه، وهي الطفلة خلود، التي وصلت إلى الحزام الأصفر قبل أن تتوقف عن ممارسة اللعبة.
وعندما واجه رفضاً رسمياً لمنحه ترخيصاً لتدريب الفتيات، لم يتراجع، بل بدأ بتدريب بناته وقريباته داخل المعهد، وقال عبارته الشهيرة:
"بناتي وأنا حر... هل يحتاج تدريب بناتي إلى ترخيص؟!"
ومن هذه المبادرة وُلد أول فريق نسائي للكاراتيه في اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومع تأسيس الاتحاد الرياضي للمرأة عام 2006م، أصبح الكابتن عدنان مدرباً للاتحاد، ثم مدرباً للمنتخب الوطني للفتيات، وقاد اللاعبات في مشاركات عربية وآسيوية حتى توقف النشاط الرياضي النسوي عام 2015م.
وقد وصفه الدكتور عبدالسلام الريمي بأنه "مناضل الكاراتيه والكونغ فو"، تقديراً لما تحمله من صبر وتفانٍ في خدمة الرياضة رغم كل الصعوبات.
ثامناً: صناعة الحراك الرياضي... بطولات المدارس والألعاب الفردية
آمن الكابتن عدنان بأن انتشار اللعبة لا يتحقق إلا من خلال المنافسات المنظمة، ولذلك توجه إلى المدارس الأهلية والجامعات والأندية، وأسهم في إدخال الكاراتيه إلى عشرات المؤسسات التعليمية.
وفي عام 2019م، نظم بطولة المدارس الأهلية للكاراتيه بمديرية الثورة في أمانة العاصمة، بعد حملة تعريفية استمرت ثلاثة أشهر زار خلالها أكثر من ستين مدرسة، وشارك في البطولة نحو 300 لاعب يمثلون خمسين مدرسة، قبل أن تختتم بحفل رياضي كبير شارك فيه أكثر من 1200 لاعب.
وفي العام نفسه نظم بطولة الألعاب القتالية الفردية ضمن فعاليات الملتقى الشتوي الثاني لنادي وحدة صنعاء، بمشاركة أكثر من 200 لاعب من مختلف الأندية والمعاهد الرياضية، وحظيت البطولة بإشادة واسعة من الجهات الرياضية والرسمية والجماهيرية.
تاسعاً: الإرث الرياضي... حين أصبحت الأسرة مدرسة للكاراتيه
لم يقتصر تأثير الكابتن عدنان على طلابه، بل امتد إلى أسرته، التي تحولت إلى أسرة رياضية بامتياز.
فهو متزوج، وله ثلاثة أبناء هم: عبدالله، والبراء، وضياء، وابنتان هما: هند، وهديل، وقد مارس جميعهم لعبة الكاراتيه ومثلوا المنتخبات الوطنية، فيما حققت إحدى بناته إنجازات آسيوية مشرفة.
ومن أكثر المواقف رمزية في حياته، إعادة نجله ضياء عام 2019م تنفيذ الحركة الاستعراضية الشهيرة التي كان قد نفذها والده عام 1984م فوق حصن تاريخي في وادي ظهر، حيث ظهر الابن بثقة كبيرة، ليعلق الأب قائلاً بكل فخر:
"لقد تفوق ضياء عليَّ."
عاشراً: أبرز الإسهامات في تاريخ الكاراتيه اليمنية
ساهم الكابتن عدنان الريمي في إرساء دعائم لعبة الكاراتيه في اليمن، ومن أبرز إنجازاته:
- المشاركة في تأسيس أول اتحاد عام للكاراتيه.
- تأسيس أول معهد متخصص بالكاراتيه والفنون القتالية في اليمن.
- نشر اللعبة عبر العروض الرياضية في الشوارع والحدائق والميادين العامة.
- إدخال الكاراتيه إلى المؤسسة العسكرية.
- تأسيس نشاط الكاراتيه في جامعة صنعاء.
- ريادة تدريب الفتيات وتأسيس أول فريق نسائي.
- تنظيم أول بطولة للجمهورية في الكاراتيه عام 1989م.
- تخريج أعداد كبيرة من المدربين والحكام واللاعبين الذين نشروا اللعبة في مختلف المحافظات.
- الإسهام في تأسيس العديد من الأندية والمراكز والأكاديميات المتخصصة بالفنون القتالية.
الخاتمة
تمثل سيرة الكابتن عدنان عبدالله حمود الريمي صفحة مشرقة في تاريخ الرياضة اليمنية، وتجسد نموذج الإنسان الذي آمن بفكرته حتى أصبحت واقعاً يعيشه آلاف الشباب.
لقد لم يكتفِ بأن يكون بطلاً يحمل الحزام الأسود، بل جعل من نفسه مدرسة وطنية خرجت أبطالاً ومدربين وحكاماً، ورسخت مكانة الكاراتيه في اليمن بوصفها رياضة تربوية وأخلاقية قبل أن تكون منافسة رياضية.
وسيظل اسمه واحداً من أبرز رواد الرياضات الفردية في اليمن، ومن الشخصيات التي تفخر بها محافظة ريمة خاصة، واليمن عامة، لأنه أثبت أن صناعة الإنسان هي أعظم بطولة، وأن الأثر الباقي هو ما يورثه المرء للأجيال من علم وخبرة وقيم.
ملحق الصور
![]() |
| قبل الاستعراض في ملعب الظرافي صنعاء ١٩٨٤ |
![]() |
| في حديقة الثورة بصنعاء ١٩٨٤م مع زميليه |
![]() |
| اول فريق نظامي للكاراتية في المعهد (المصدر موقع انسم) |
![]() |
| الكابتن عدنان الريمي فرض انفرادي جامعة صنعاء ١٩٨٤ |
![]() |
| الكابتن عدنان الريمي فرض انفرادي جامعة صنعاء ١٩٨٤ |
![]() |
| اول فريق تم تدريبة من الفتيات من أقارب الكابتن عدنان |
![]() |
| المنتخب الوطني للكارتية فتيات قبل عام ٢٠١٥م |
تقارير تلفزونية تتعلق بالشخصية :
تقرير قناة السعيدة عن الحركه التي اداها ضياء عدنان الريمي:
تقرير قصير لقناة الكأس الرياضية القطرية عن الكابتن عدنان الريمي :
تقرير قناة المهرية
المراجع والمصادر
- المعلومات والوثائق الرسمية المقدمة من الكابتن عدنان عبدالله حمود الريمي.
- الحوار الصحفي الذي أجراه الصحفي طلال سفيان مع الشخصية.
- تقارير ومقابلات موقع أنسم، ومنها: ركلات تصنع الإحباط، وضياء.. لاعب الكاراتيه الصغير يتحدى والده بعد 34 عاماً.
- التقارير واللقاءات التلفزيونية على قنوات: السعيدة، الكأس الرياضية، المهرية.
- الحسابات الرسمية لمعهد صنعاء للكاراتيه على منصات التواصل الاجتماعي.
- المراجعة والتحرير ضمن مشروع #شخصية_من_ريمة لتوثيق أعلام وكفاءات محافظة ريمة.
- إعداد: م. محمد غالب السعيدي.
- تاريخ التحرير الأصلي: 7 يوليو 2021م.
تنبيه هام وحقوق الملكية:
يُسمح بنسخ ونشر هذه المادة على منصات التواصل الاجتماعي شريطة احترام حقوق الملكية الفكرية، وذكر اسم كاتب الترجمة (م. محمد غالب السعيدي)، واسم الصفحة الرسمية للمشروع، مع الإشارة إلى المصدر.
تنويه المشروع:
هذه الصفحة مختصة بتجميع وتوثيق تراجم شخصيات وأعلام أبناء محافظة ريمة من مختلف التيارات والانتماءات الفكرية والسياسية والثقافية والدينية، دون تمييز، إيماناً بأهمية حفظ الذاكرة التاريخية والاجتماعية للمحافظة، وإبراز إسهامات أبنائها في مختلف ميادين الحياة.











