#شخصية_من_ريمة الشخصية رقم (356)
الشيخ / عمر يحيى القشيبي(رحمه الله)
شيخ ضمان عزلة بني قشيب السلفية
المتوفى في العام 1991م
مقدمة توثيقية
في قلب التضاريس الجبلية المهيبة لمحافظة ريمة، حيث تصقل الوعورة وعزم الرجال، برزت قامات قبلية واجتماعية تركت في سجل التاريخ المحلي سيرة لا تمحوها الأيام. ومن هذه القامات الاستثنائية التي زاوجت بين حكمة القيادة القبلية وبلاغة الكلمة الأدبية، يبرز اسم الشيخ عمر يحيى علي مصلح القشيبي؛ شيخ ضمان عزلة بني قشيب، وأحد الرموز القيادية البارزة في مديرية السلفية خلال القرن العشرين، الذي أرسى دعائم العدالة المستقلة، وعاصر التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في اليمن.
أولاً: بطاقة الهوية والبيانات الشخصية
- الاسم واللقب: الشيخ / عمر يحيى علي مصلح القشيبي.
- الصفة والمكانة: شيخ ضمان عزلة بني قشيب، وأحد أبرز مشائخ مديرية السلفية ومحافظة ريمة في القرن العشرين.
- محل وتاريخ الميلاد: قرية الجحرة عزلة بني قشيب – مديرية السلفية – محافظة ريمة.في العام 1912م
- تاريخ الوفاة: وافاه الأجل بعد قيام الوحدة اليمنية المباركة بعامين (اي عام 1993م ) إثر معاناة مع المرض.
- الذرية: ترك من الأولاد أربعة (ابناً واحداً وثلاث بنات).
ثانياً: النشأة، البيئة، والسمات الشخصية
ولد الشيخ عمر يحيى القشيبي متدثراً بعباءة أسرة عريقة توارثت المشيخة والقيادة أباً عن جد، فتربى في كنفها على قيم الأنفة، ونصرة المظلوم، والجهر بكلمة الحق. وقد لعبت البيئة الجبلية الشاهقة لمديرية السلفية دوراً جوهرياً في صياغة تكوينه النفسي والبدني؛ فأورثته الصبر الصلب في مواجهة الخطوب، والاتزان عند النوازل.
وقد تفرّد الشيخ منذ ريعان شبابه بصفات جعلت منه شخصية كاريزمية سابقة لعصرها، ومنها:
- الفطنة والنبوغ المعرفي: امتلك قدرة مبكرة على القراءة والكتابة في بيئة كانت تغلب عليها الأمية، مما أهّله لتبوّء مراكز الصدارة مبكراً.
- الملكة الأدبية والشعرية: حظي بدراية واسعة باللغة والشعر، فكان شاعراً مطبوعاً يجيد توظيف القصيد وصياغة النثر البليغ لتفكيك أكثر القضايا القبلية والسياسية تعقيداً.
- الحكمة والروية: عُرف بتأطير أحكامه بالعدل والتأني، والابتعاد عن العجلة والاندفاع في الخصومات.
- الجرأة ومجابهة السلطة: تميز بشجاعة أدبية نادرة، فلم يكن يخشى في نصرة الحق سطوة حاكم أو والٍ.
- الاستشراف السياسي: امتلك وعياً ثنائياً استوعب فيه معطيات الحاضر، وتنبأ بتحولات المستقبل وقادم الأحداث.
ثالثاً: المحطات المفصلية في مسيرة العطاء والقيادة
المحطة الأولى: الإشعاع الأخلاقي وتوسيع رقعة العزلة طواعية
تجلت عبقرية الشيخ عمر القشيبي الإدارية والقيمية في التفاف الناس حوله؛ إذ شهدت عزلة (بني قشيب) في عهده ظاهرة جغرافية واجتماعية فريدة، حيث اتسعت رقعة العزلة بشكل ملحوظ لتتداخل وتتمدد على حساب مناطق ومحلات في مديريتي كسمة والسلفية. ولم يكن هذا التوسع ناتجاً عن غلبة عسكرية أو إكراه قبلي، بل كان انضماماً طوعياً من عائلات وقرى وقبائل بأكملها، تداعت للانضواء تحت ظلال نفوذه لما تلمسته فيه من إنصاف مطلق، وعدالة مبرأة من الهوى والمحاباة. فغدا في عيون العامة قاضياً عادلاً، يرتاد مجلسه المتخاصمون من كل حدب وصوب لتأمين حقوقهم وردع الظالمين.
المحطة الثانية: الموقف التاريخي في حضرة الإمام يحيى (مواجهة والي ريمة)
في حقبة الحكم الملكي (عهد الإمام يحيى حميد الدين)، عُيّن على مخلاف ريمة والٍ استبد بالعباد، وأثقل كواهل المواطنين بالجبايات الجائرة، وضاعف الزكوات، واختلق إتاوات وغرامات خارجة عن حدود الشرع وأعراف القبيلة. وأمام هذا العسف، تداعى مشائخ السلفية وبعض أعيان ريمة وقرروا السفر إلى تعز—حيث كان يقع مقر الإمام آنذاك—لرفع ظلامتهم.
وعند اقتراب موعد المثول في مجلس الإمام، انتاب الخوف والتراجع معظم المشائخ خشية العقاب أو التنكيل، فانسحبوا، ولم يصمد في الميدان سوى بضعة رجال لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، متقدمين بخطى ثابتة يقودهم الشيخ عمر يحيى القشيبي.
ولما كان هو ألسنهم وأفصحهم، أُسندت إليه مهمة صياغة الشكوى والحديث باسم أبناء ريمة؛ فارتجل ونظم قصيدة شعرية بليغة هزت أركان المجلس، لخّص فيها الوجع، وصوّر الاستبداد بأسلوب جمع بين الهيبة والاستعطاف الممزوج بالتحذير من عاقبة الظلم.
وفيما يلي النص الكامل للقصيدة التاريخية التي ألقاها في حضرة الإمام:
يا رب بالمصطفى ندعوك تنقذنا
مـن كل هـمٍ وغـمٍ قـد احـل بـنا
يا من يرانا ويعلم كل خافية
بشِّرْ بما نالنا مـن عنـد عاملنا
إن كان حـقـاً فأنت الحـق تـعـلـمـه
وإن كان باطلاً فحاشى أن تُضيعنا
مقدمين الشكى مـن ريـمة هـلكت
من بلدة السلفية ذي هي لنا وطنا
خـصصتـنا بأميـر لا نـطـاق له
ولا أمـان لـنـا مـنـه إذا سكــنا
فحاله ليس يخفى في مقامـكـم
والسر فيكم تروا للناس ما حسنا
فـأنـت والله مـسؤولٌ بـنـا وغداً
في يوم شاهدنا تنطق جوارحنا
سيحكم الله فينا وفيكم إذا
عُدنا قرانا ولم تُرفع مظالمنا
يا رب عجل بعود الصبح في أمدٍ
ليذهب الليل من أقصى بلائدنا
آتت القصيدة أُكلها فوراً؛ إذ اهتز الإمام للبلاغة الممزوجة بالجرأة، وأصدر مرسوماً عاجلاً بعزل الوالي الجائر وإحالته للتحقيق، وأمر بإنصاف الوفد وضيافتهم ومكافأتهم، ليسجل التاريخ للشيخ القشيبي نصراً سياسياً وقبلياً خالداً برأس الحرف والكلمة الشجاعة.
المحطة الثالثة: وهج الثورة (26 سبتمبر 1962م) والمد التنموي التعاوني
مع إرهاصات فجر الثورة السبتمبرية عام 1962م، كان الشيخ عمر القشيبي، بموجب عقليته المتنورة، من أوائل الأقطاب القبليين الذين لبّوا داعي التغيير وساندوا الفكر الجمهوري التحرري.
-
الدور التوعوي السري: بفضل صلاته واطلاعه، كان يستقبل المطبوعات والنشرات الفكرية المناهضة للإمامة، والتي كانت تُهرّب في خفية من الخارج عبر مصر، وتُخفى بذكاء داخل صناديق بضائع "الند" المستوردة، فكان يقرأها ويُبصّر بها مجتمعه المحيط، واضعاً لبنات الوعي بضرورة الانعتاق من عهود الاستبداد.
-
المساندة الفعلية: انخرط بفاعلية في دعم أهداف النظام الجمهوري الفتي، بمعية رفاق السلاح والنضال من مشائخ وأحرار ريمة.
-
البناء التنموي (حركة التعاونيات): تيقن الشيخ أن الجمهورية الحقة هي التي تبني الإنسان؛ فكان ركيزة أساسية في حركة التعاونيات الأهلية التي انطلقت بعد الثورة، وأسهم بشكل مباشر في:
- شق وتعبيد الطرقات الجبلية الوعرة لإيصالها إلى معظم عزل وقرى مديرية السلفية.
- تشييد المدارس النظامية الحديثة لنشر التعليم ومحاربة الجهل كخطوة أولى نحو التنمية المستدامة.
المحطة الرابعة: الثمانينيات وقيادة لجان الحوار لإطفاء نار الفتنة
في ثمانينيات القرن العشرين، وخلال حقبة الاستقطاب والصراع المسلح المرير الذي دارت رحاه بين النظام والجبهة الوطنية، تحولت مناطق واسعة من ريمة إلى مسرح للتوترات والحملات العسكرية. وفي غمرة ذلك المنعطف الدامي الذي هدد السلم الأهلي، كان لا بد من وجود شخصية تتمتع بالقبول التاريخي والاتزان السياسي لقيادة الحوار.
وبشهادة معاصري تلك الحقبة—وفي طليعتهم الرفيق عبده محمد مرشد—أجمع أعيان وقادة المنطقة على اختيار الشيخ عمر يحيى القشيبي ليكون رئيساً للجنة الحوار مع الدولة نيابة عن الجبهة الوطنية وأهالي المنطقة. وتجلت عبقريته الدبلوماسية في هذه المحطة عبر ثلاثة محاور:
- الحنكة التفاوضية: امتلاكه مرونة سياسية عالية تدرك موازين القوى وفنون التراجع والتقدم التفاوضي.
- عصرنة المطالب: صياغة مطالب المواطنين وحقوقهم التنموية والأمنية بلغة رصينة ومقنعة لمسؤولي الدولة، مجردة من نبرة التهديد، ومؤطرة بالاستحقاق الوطني.
- الثبات والشجاعة: التمسك بالحقوق الأساسية ورفض الإملاءات العسكرية، مما أكسبه احترام قيادات الدولة وأفراد الجبهة على حد سواء، وأثمرت جهوده في حقن الدماء وإيجاد صيغة سلمية جنبت المنطقة ويلات الدمار.
رابعاً: الخاتمة والإرث الخالد
عاش الشيخ عمر يحيى القشيبي عمراً حافلاً بالعطاء والنضال؛ واكب فيه تقلبات الزمان اليمني من عباءة الملكية وتفاصيلها، إلى فجر الجمهورية ومخاضاتها، صعوداً إلى معايشة الحدث التاريخي الأبرز المتمثل في إعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة عام 1990م. ولم يلبث بعدها إلا يسيراً حتى داهمه المرض، ليرحل عن دنيانا جسداً، تاركاً خلفه معالم إرث إنساني وقبلي لا يندثر:
- إرثاً في القيادة الحكيمة والشجاعة التي تُحتذى في الملمات.
- نموذجاً في القضاء العادل والإنصاف القبلي النزيه.
- مدرسة في الدبلوماسية ولغة الحوار البنّاء.
- ديواناً مفتوحاً من الأدب، والشعر، والمراسلات البليغة التي توثق تاريخ المنطقة ورجالها.
ملاحظة وتنويه للموثقين والأجيال:
إن هذه المادة التاريخية تُمثل الطبعة الأولية التوثيقية المسجلة برقم (351) ضمن مشروع #شخصية_من_ريمة، وقد اعتمدت في خطوطها العريضة على ماوصلنا من ترجمه من الاخ / سلطان عبدالله الواسع ....بناء على ما تواتر من شهادات شفهية ومرويات تاريخية عاصرها وعاشها أعيان ورفاق عاصروا الشيخ؛ منهم: الوالد الشيخ محسن عمر يحيى القشيبي، الوالد الرفيق عبده محمد مرشد، والوالد الرفيق قائد علي شاطر.
وعليه، يُهيب القائمون على المشروع بكافة الإخوة من أبناء الشيخ ومحبي ومؤرخي المنطقة (وفي مقدمتهم: الأستاذ فيصل علي، الأستاذ عبد الكريم محسن عمر، الأستاذ محمد محسن عمر)، وكل من يمتلك وثيقة، أو مراسلة، أو قصيدة، أو موقفاً موثقاً يخص الشيخ عمر يحيى القشيبي، التقدم بها لإضافتها وإثراء السيرة وتدوينها للأجيال القادمة.
المصدر
- الاخ /سلطان عبدالله محمد محسن القشيبي

.jpg)
