#شخصية_من_ريمة الشخصية رقم (26)
الدكتور / عبدالعزيز محمد صغير الجرادي
مقدمة
حين يُذكر النجاح، يتبادر إلى الأذهان ما يحققه الإنسان من مناصب أو ألقاب أو شهرة، غير أن النجاح الحقيقي هو ذلك الذي يُبنى بالصبر، ويترسخ بالعلم، ويُثمر أثرًا طيبًا في حياة الناس.
وفي محافظة ريمة، كما في سائر محافظات اليمن، برزت شخصيات علمية ومهنية استطاعت أن تتجاوز حدود المكان، وأن تثبت حضورها في ميادين الطب والإدارة والعمل الإنساني، رغم قسوة الظروف وقلة الإمكانات. غير أن كثيرًا من هذه الكفاءات لم تحظ بما تستحقه من التعريف والتوثيق، فظلت إنجازاتها معروفة في البلدان التي عملت فيها أكثر مما هي معروفة في موطنها الأول.
ومن هذا المنطلق جاءت سلسلة «شخصية من ريمة» لتوثق سير أبناء المحافظة الذين أسهموا في خدمة مجتمعاتهم داخل اليمن وخارجه، حفظًا لذاكرة المكان، وإنصافًا لأصحاب التجارب الملهمة.
وتأتي شخصية الدكتور عبدالعزيز محمد صغير الجرادي ضمن هذه النماذج التي شقت طريقها بالاجتهاد والكفاح، فلم يولد وفي يده مفاتيح النجاح، ولم ينشأ في بيئة مترفة، بل بدأ رحلته من قرية يمنية بسيطة في مديرية السلفية، يحمل حلمًا أكبر من حدود المكان، حتى استطاع أن يشق لنفسه مكانة في المجال الطبي والعمل الإنساني، وأن يتولى عددًا من المسؤوليات في جمهورية تشاد، إلى جانب حضوره في مجالات التدريب والتنمية والعمل المجتمعي.
ولم تقتصر شخصية الدكتور عبدالعزيز على الجانب المهني فحسب، بل جمعت بين حب العلم، والاهتمام بالرياضة، والعمل الإنساني، والعلاقات الاجتماعية الواسعة، وهي جوانب شكلت ملامح شخصيته منذ سنواتها الأولى، وأسهمت في بناء تجربته التي امتدت عبر أكثر من بلد، وظلت مرتبطة بوطنه الأم ومحافظته ريمة.
أولًا: المولد والنسب
ولد الدكتور عبدالعزيز محمد صغير الجرادي عام 1979م في قرية الشسن، التابعة لعزلة بني الجرادي، مديرية السلفية، محافظة ريمة.
وينتمي إلى أسرة يمنية عرفت بالبساطة والكفاح، حيث نشأ في بيئة ريفية محافظة، تقوم على قيم التعاون والاعتماد على النفس، وتقدير العلم والعمل.
وقد كان لتلك البيئة أثرها العميق في تكوين شخصيته؛ إذ تعلم منذ طفولته أن بلوغ الأهداف لا يتحقق إلا بالمثابرة، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه من علم وعمل، لا بما يملكه من مال أو جاه.
ثانيًا: النشأة والطفولة
قضى الدكتور عبدالعزيز سنوات طفولته الأولى في مسقط رأسه بين أبناء قريته، قبل أن تنتقل الأسرة إلى مدينة الحديدة، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياته، اتسعت فيها مداركه، وتعددت اهتماماته، واختلطت فيها الدراسة بالعمل، والطموح بتحمل المسؤولية في سن مبكرة.
وتشير الشهادات التي كتبها المقربون منه إلى أنه عرف منذ صغره بالجد والاجتهاد، وأنه لم يكن من أبناء الرفاهية، بل اعتمد على نفسه في كثير من مراحل حياته، وعمل في أكثر من مهنة خلال سنوات الدراسة، في سبيل مواصلة تعليمه وتخفيف الأعباء عن أسرته.
وقد وصفه شقيقه الأستاذ شفيق محمد صغير الجرادي بأنه «نحت الصخر» ليصنع مستقبله، وأنه لم يكن يعرف التوقف أو الاستسلام، بل ظل مؤمنًا بأن العمل الجاد هو الطريق الوحيد لتحقيق الأحلام.
كما يروي شفيق موقفًا بقي حاضرًا في ذاكرته منذ طفولتهما، أثناء أحداث حرب عام 1994م، حين كانت الطائرات تحلق فوق مدينة الحديدة، فيتذكر أخاه عبدالعزيز وهو يهرع إلى الأطفال، يناديهم بقلق، ويحثهم على دخول المنازل حفاظًا على سلامتهم، وهو موقف يعكس حسه الإنساني المبكر، وحرصه على من حوله حتى في أصعب الظروف.
ثالثًا: التعليم
بدأ الدكتور عبدالعزيز تعليمه الأساسي في مدرسة مصعب بن عمير بمنطقة بني الجرادي في مديرية السلفية.
وبعد انتقال الأسرة إلى محافظة الحديدة، واصل دراسته الأساسية والثانوية هناك، حتى حصل على شهادة الثانوية العامة (القسم العلمي) عام 1996م من مدرسة أبي بكر الصديق بمنطقة السلخانة.
ولم يكن التعليم بالنسبة إليه مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، بل كان مشروع حياة، لذلك واصل مسيرته العلمية فالتحق بالمعهد العالي للعلوم الصحية في صنعاء، ونال شهادة الدبلوم عام 1998م.
ثم واصل دراسته في كلية الطب والعلوم الصحية، حتى حصل على درجة البكالوريوس في الطب العام عام 2005م، ليبدأ بعدها رحلته المهنية في ميدان الطب، واضعًا نصب عينيه خدمة الإنسان أينما كان.
ولاحقًا، نال عددًا من الشهادات الفخرية والتكريمات الدولية، تقديرًا لإسهاماته في المجالين الطبي والإنساني، وهو ما سيأتي تفصيله في الأجزاء اللاحقة من هذه السيرة.
رابعًا: المسيرة الرياضية... موهبة سبقت الطب
قبل أن يُعرف الدكتور عبدالعزيز محمد صغير الجرادي طبيبًا وإداريًا وإنسانيًا، عُرف في أوساط أقرانه رياضيًا موهوبًا، فقد كانت كرة القدم هوايته الأولى، وواحدة من أكثر المجالات التي أظهر فيها تميزًا خلال سنوات شبابه.
وفي مدينة الحديدة، حيث نشأ جزء كبير من حياته، بدأ ممارسة كرة القدم في أندية الحارات الشعبية، التي كانت آنذاك المدرسة الأولى لاكتشاف المواهب الرياضية. وسرعان ما لفت الأنظار بمهاراته الفنية، فتنقل بين عدد من الفرق المحلية، من أبرزها: الاعتصام، والصحوة، والتحطيم، إلى جانب عدد من فرق حواري السلخانة.
ولم يطل الأمر حتى استقطبه النادي الأهلي الساحلي بالحديدة ضمن فئتي الناشئين والشباب، ليصبح أحد لاعبيه الرسميين، بعد أن أثبت امتلاكه لموهبة لافتة جعلته يحظى باحترام مدربيه وزملائه.
وقد امتاز بأسلوب لعب يجمع بين المهارة والهدوء، فكان يجيد استخدام القدمين اليمنى واليسرى بكفاءة، ويتميز بحسن المراوغة، والقدرة على صناعة الفرص، إضافة إلى التسديدات القوية بعيدة المدى، وهي مهارات جعلته لاعبًا مؤثرًا داخل الملعب، وأكسبته مكانة خاصة بين مشجعيه.
ولم يكن تأثيره مقتصرًا على المباريات الرسمية، بل كان حريصًا على تدريب أبناء حارته وتشجيعهم على ممارسة الرياضة، فكان قدوة لكثير من الناشئين الذين رأوا فيه مثالًا للاعب الموهوب والأخ الأكبر في الوقت نفسه.
وبسبب بنيته الجسدية وأسلوبه في اللعب، أطلق عليه زملاؤه ومحبوه لقب "مارادونا"، تشبيهًا بأسطورة كرة القدم العالمية، وهو لقب ظل ملازمًا له بين أصدقائه سنوات طويلة.
ومع أن الرياضة كانت قادرة على أن تفتح له آفاقًا واسعة، فإن شغفه بالطب كان أقوى، فاختار أن يواصل دراسته الجامعية، واضعًا حلمه في خدمة الإنسان فوق أي طموح رياضي، دون أن تنقطع علاقته بالرياضة التي بقيت جزءًا من شخصيته وثقافته حتى بعد دخوله ميدان العمل الطبي.
خامسًا: بداية الطريق... بين الدراسة والعمل
لم تكن رحلة الدكتور عبدالعزيز نحو الطب سهلة أو معبدة، بل كانت مليئة بالتحديات التي واجهها بالصبر والإصرار.
فقد عاش سنوات دراسته في ظروف اقتصادية متواضعة، واضطر إلى الجمع بين الدراسة والعمل، شأنه شأن كثير من الشباب اليمني الطامح إلى بناء مستقبله بإمكاناته الذاتية.
وتشير الشهادات التي وثقت مسيرته إلى أنه عمل في عدد من المهن الحرة خلال فترة دراسته، منها بيع الصحف والمجلات، وغيرها من الأعمال التي وفرت له مصدرًا يعينه على مواصلة تعليمه، دون أن يسمح للظروف بأن تعيقه عن تحقيق هدفه.
وقد شكلت تلك التجربة مدرسة عملية في الاعتماد على النفس، وأسهمت في صقل شخصيته، وتعزيز شعوره بقيمة الوقت والعمل، وهو ما انعكس لاحقًا في حياته المهنية والإدارية.
ولم يكن يرى في تلك الأعمال انتقاصًا من طموحه، بل كان يعتبرها خطوة ضرورية في طريق النجاح، مؤمنًا بأن الكفاح الشريف هو أساس الإنجاز الحقيقي.
سادسًا: من الطب إلى الرسالة الإنسانية
بعد حصوله على درجة البكالوريوس في الطب العام عام 2005م، بدأ الدكتور عبدالعزيز ممارسة مهنته الطبية واضعًا نصب عينيه أن تكون رسالة الطبيب أوسع من مجرد تشخيص الأمراض ووصف العلاج.
وكان يؤمن بأن الطب رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، وأن الطبيب الناجح هو الذي يجمع بين الكفاءة العلمية والرحمة وحسن التعامل مع الناس.
وقد انعكس هذا المفهوم في علاقته بمرضاه وزملائه، فاشتهر بحسن الاستماع، والتعامل الإنساني، والحرص على تقديم المساعدة للمحتاجين، الأمر الذي أكسبه احترام المجتمع الذي عمل فيه، ورسخ مكانته المهنية داخل اليمن وخارجه.
ومع اتساع خبراته، اتجه إلى العمل الإداري والمؤسسي، مقتنعًا بأن تطوير المؤسسات الصحية لا يقل أهمية عن علاج الأفراد، وأن الإدارة الناجحة قادرة على تحسين مستوى الخدمات الطبية والوصول بها إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
وهكذا بدأت مرحلة جديدة من حياته، حملته خارج حدود الوطن، لتبدأ واحدة من أهم محطات مسيرته المهنية والإنسانية في جمهورية تشاد، حيث برز اسمه في مجالات الطب والإدارة والعمل الإنساني، وهو ما سنتناوله في الجزء القادم من هذه السيرة.
سابعًا: الهجرة... بداية مرحلة جديدة
كما هو حال كثير من الكفاءات اليمنية، لم تكن رحلة الدكتور عبدالعزيز محمد صغير الجرادي نحو التميز مفروشة بالفرص داخل الوطن، بل قادته ظروف الحياة إلى خوض تجربة الاغتراب، باحثًا عن بيئة يستطيع من خلالها أن يوظف علمه وخبرته في خدمة الإنسان.
وكانت جمهورية تشاد المحطة الأبرز في هذه الرحلة؛ حيث لم يكتفِ بممارسة مهنة الطب، بل انخرط في بناء المؤسسات الصحية، والعمل المجتمعي، وخدمة أبناء الجالية اليمنية، حتى أصبح أحد الوجوه اليمنية المعروفة هناك.
ولم يكن الاغتراب بالنسبة إليه انقطاعًا عن الوطن، بل امتدادًا لحضوره، إذ ظل يحمل هويته اليمنية، ويعتز بانتمائه إلى محافظة ريمة، ويحرص على تمثيل أبناء بلده بالصورة التي تليق بتاريخهم وقيمهم.
ثامنًا: المناصب والمسؤوليات
تدرج الدكتور عبدالعزيز الجرادي في عدد من المناصب الطبية والإدارية والإنسانية، ومن أبرزها:
- رئيس مجلس إدارة مركز صحتك الطبي في الجمهورية اليمنية.
- مدير عام مستوصف اليمن السعيد في جمهورية تشاد.
- رئيس الجالية اليمنية في جمهورية تشاد.
- وكيل أكاديمية علاء الدين الدولية في جمهورية تشاد.
- المفوض العام لمشروع ريحانة التنموي الدولي في إفريقيا ودول الخليج العربي.
- مدير عام المركز الثقافي الألماني الدولي (IGCC) في اليمن وتشاد.
- سفير النوايا الحسنة لدى اتحاد منظمات الشرق الأوسط للحقوق والحريات.
- سفير السلام لدى المنظمة الدولية للسلام.
- مدرب دولي معتمد في التنمية البشرية.
وقد عكست هذه المسؤوليات تنوع اهتماماته بين الطب والإدارة والعمل الإنساني والثقافي، وجعلت تجربته تتجاوز حدود الممارسة الطبية إلى مجالات أوسع من خدمة المجتمع.
تاسعًا: العمل الإنساني والمجتمعي
آمن الدكتور عبدالعزيز بأن رسالة الطبيب لا تنتهي عند أبواب العيادة أو المستشفى، وإنما تمتد إلى كل ما يسهم في تحسين حياة الإنسان وصون كرامته.
ولهذا شارك في عدد من المبادرات المجتمعية والبرامج الإنسانية، واهتم بتطوير العمل المؤسسي في المجال الصحي، كما أسهم في خدمة أبناء الجالية اليمنية في تشاد، وعمل على تعزيز روح التعاون بينهم، وتمثيلهم أمام الجهات الرسمية.
كما اتجه إلى مجالات التنمية البشرية والتدريب، إيمانًا منه بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن علاجه، وأن المجتمعات المتقدمة تبدأ بتأهيل كوادرها وتنمية قدراتها.
وقد جمع في مسيرته بين العمل الطبي والإداري والإنساني، وهي تجربة أكسبته حضورًا في أكثر من مجال، ورسخت مكانته بين زملائه ومعارفه.
عاشرًا: المؤهلات العلمية والتكريمات
إلى جانب مؤهلاته الأكاديمية في الطب، نال الدكتور عبدالعزيز عددًا من الشهادات والأوسمة، من بينها:
- شهادة دبلوم من المعهد العالي للعلوم الصحية – صنعاء (1998م).
- درجة البكالوريوس في الطب العام من كلية الطب والعلوم الصحية (2005م).
- دكتوراه فخرية من المركز الثقافي الألماني الدولي عام 2018م.
- وسام سفير النوايا الحسنة من اتحاد منظمات الشرق الأوسط للحقوق والحريات.
- وسام سفير السلام من المنظمة الدولية للسلام.
- المشاركة في المؤتمر الدولي التدريبي الثاني حول التنمية البشرية وعلاقتها بالاقتصاد وثقافة السلام (2019م).
كما اعتمدته الفيدرالية العالمية لسفراء النوايا الحسنة في 14 يوليو 2020 سفيرًا للنوايا الحسنة، تقديرًا لأنشطته الإنسانية، وفقًا لشهادة الاعتماد الصادرة عنها.
ومن أبرز صور التكريم التي ارتبطت بمسيرته، فوز مستوصف اليمن السعيد في العاصمة التشادية أنجمينا ضمن المؤسسات التي جرى تكريمها من قبل اتحاد منظمات الشرق الأوسط للحقوق والحريات، في مسابقة تناولت الإنجاز والتنظيم الإداري، بحسب ما ورد في وثائق التكريم المتداولة.
وتعكس هذه التكريمات تقدير الجهات المانحة لما قدمه في مجالات الطب والإدارة والعمل المجتمعي، وهي جزء من مسيرة مهنية امتدت عبر سنوات من العمل داخل اليمن وخارجه.
الحادي عشر: حضوره الإنساني
لم يكن نجاح الدكتور عبدالعزيز محصورًا في المناصب أو الشهادات، بل ارتبط أيضًا بطبيعة علاقته بالناس.
فقد عرفه كثير ممن تعاملوا معه بطبيب قريب من مرضاه، وإداري يفضل العمل الميداني، وإنسان يحرص على مد يد العون للمحتاجين كلما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
ولعل هذه الصفات هي التي جعلت حضوره يتجاوز حدود المؤسسة التي يعمل فيها، ليصبح شخصية اجتماعية تحظى بالاحترام داخل أوساط الجالية اليمنية، وفي محيطه المهني والإنساني في جمهورية تشاد.
ولذلك، ارتبط اسمه لدى كثير من معارفه بالعمل الإنساني بقدر ارتباطه بمهنة الطب، وهو ما منح تجربته بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا إلى جانب بعدها العلمي والمهني.
الثاني عشر: شهادات في حقه
من الصعب الإحاطة بشخصية الإنسان من خلال سيرته الذاتية وحدها، فهناك جوانب لا تظهرها المناصب ولا الشهادات، وإنما تكشفها شهادات من عايشوه وشاركوه مراحل الحياة.
وقد كتب الأستاذ شفيق محمد صغير الجرادي، شقيق الدكتور عبدالعزيز، شهادة وجدانية استعرض فيها جانبًا من مسيرة أخيه، فجاء فيها:
"لقد كتبت فأجدت، ولكنك أغفلت جانبًا مهمًا من حياته، وهو الجانب الرياضي. فقد كان رياضيًا مولعًا بكرة القدم، وكانت هوايته المفضلة، بل إن ثقافته الرياضية ومهاراته في الملعب منحته مكانة كبيرة في قلوب محبيه. وكنت أعدّه قدوتي الرياضية، ولا تزال تسديداته القوية التي لا تُرد ولا تُصد حاضرة في ذاكرتي."
ويضيف مستحضرًا أحد المواقف الإنسانية التي لا تزال عالقة في ذاكرته:
"ما زلت أتذكر عام 1994م، أثناء حرب الانفصال، والطائرات تحلق فوق رؤوسنا، بينما كان عبدالعزيز يصرخ فينا، قلقًا علينا، ويأمرنا بالدخول إلى البيوت وعدم الخروج أثناء تحليق الطيران، خوفًا علينا."
ويختم شهادته بقوله:
"بارك الله فيك أخي الدكتور عبدالعزيز محمد الجرادي، فقد كنت نعم الأخ، ونعم الصديق."
وتكشف هذه الشهادة جانبًا إنسانيًا من شخصية الدكتور عبدالعزيز، لا يظهر في السيرة الوظيفية أو قائمة المناصب، وإنما يتجلى في علاقته بأسرته، وحرصه على من حوله، وروح المسؤولية التي لازمته منذ سنوات عمره الأولى.
كما كتب الأستاذ شفيق محمد صغير الجرادي في مناسبة أخرى واصفًا مسيرة أخيه بأنها رحلة كفاح بدأت من أسرة بسيطة، وشق خلالها طريقه بالاجتهاد والعمل، حتى أصبح من الشخصيات اليمنية المعروفة في المجال الطبي والإنساني خارج الوطن، مؤكدًا أن النجاح الذي حققه لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات طويلة من الصبر والعمل.
الثالث عشر: سمات الشخصية
من خلال تتبع محطات حياته، يمكن الوقوف على عدد من السمات التي ميزت شخصية الدكتور عبدالعزيز محمد صغير الجرادي، ومن أبرزها:
- الإيمان بقيمة العلم بوصفه وسيلة للتغيير وبناء الإنسان.
- الاعتماد على النفس منذ سنوات مبكرة، وتحويل التحديات إلى دوافع للنجاح.
- الجمع بين التفوق العلمي، والاهتمام بالرياضة، والعمل المجتمعي.
- الميل إلى العمل المؤسسي والإداري، إلى جانب الممارسة الطبية.
- الاهتمام بالعمل الإنساني، ومد جسور التعاون مع مختلف فئات المجتمع.
- المحافظة على علاقته بوطنه الأم، واعتزازه بانتمائه إلى محافظة ريمة، رغم سنوات الاغتراب.
وقد أسهمت هذه الصفات في تكوين شخصية متوازنة، جمعت بين الطبيب، والإداري، والمدرب، والرياضي، والإنسان الذي يرى في خدمة الآخرين رسالة تتجاوز حدود الوظيفة.
الرابع عشر: خاتمة
تمثل سيرة الدكتور عبدالعزيز محمد صغير الجرادي نموذجًا لجيل من أبناء اليمن الذين صنعوا نجاحهم بالعلم والاجتهاد، وشقوا طريقهم وسط ظروف لم تكن سهلة، حتى تمكنوا من إثبات حضورهم في ميادين العمل داخل الوطن وخارجه.
ومن قرية الشسن في مديرية السلفية بمحافظة ريمة، بدأت رحلة طفل حمل حلمه معه، وانتقل بين محطات التعليم والعمل، حتى أصبح طبيبًا، وإداريًا، ومدربًا، وفاعلًا في ميادين العمل الإنساني، ومسهمًا في خدمة الجالية اليمنية في جمهورية تشاد.
ولئن كانت المناصب والأوسمة تمثل جانبًا من مسيرته، فإن الجانب الأهم يتمثل في قصة الكفاح التي صنعت تلك المسيرة، وفي القيم التي حملها معه أينما حل، وفي الصورة المشرفة التي قدمها عن الإنسان اليمني القادر على النجاح متى ما أتيحت له الفرصة.
وتبقى هذه السيرة محاولة لتوثيق جانب من حياته، وحفظ صفحة من صفحات أبناء ريمة الذين تركوا أثرًا في ميادين العلم والعمل، لتكون مصدرًا للباحثين، ورسالةً للأجيال بأن الطموح لا تحده الجغرافيا، وأن الإرادة الصادقة قادرة على صناعة المستقبل.
المصادر والمراجع
- المعلومات والسيرة الأولية المقدمة من أسرة الدكتور عبدالعزيز محمد صغير الجرادي.
- شهادة الأستاذ شفيق محمد صغير الجرادي.
- الوثائق الخاصة بالمؤهلات العلمية والتكريمات والأوسمة.
- منشورات وصفحة «شخصية من ريمة».
- المراجع والمواد التي زود بها ذوو الشخصية فريق التوثيق.
تنويه
تعتمد سلسلة «شخصية من ريمة» في إعداد السير الذاتية على المعلومات والوثائق التي يقدمها أصحاب العلاقة أو ذوو الشخصيات، مع إعادة صياغتها وتحريرها بأسلوب توثيقي وأدبي، بما يسهم في حفظ الذاكرة المحلية والتعريف بالشخصيات التي كان لها حضور في مجالات العلم والإدارة والثقافة والعمل الاجتماعي والإنساني، مع الالتزام بالأمانة العلمية، ونسبة الآراء والشهادات إلى أصحابها.
#شخصية_من_ريمه
اعداد م.محمد غالب السعيدي
رابط المنشور على صفحة شخصية من ريمه على فيسبوك هنا
