banner
recent
أخبار ساخنة

سِفْرُ الخُلودِ في سِيرةِ عَميدِ مِزْهَر الشَّيخ عَلي بن عَلي القُصيع (1950م – 2026م) "رحلةُ عُمرٍ بين مَحاريبِ القَبيلة، ودَهاليزِ السِّياسة، ومَيادينِ التَّنمية"

 #شخصية_من_ريمة الشخصية رقم (331)

الشيخ علي بن علي القصيع 


الشيخ علي بن علي القصيع رحمه الله 


سِفْرُ الخُلودِ في سِيرةِ عَميدِ مِزْهَر

الشَّيخ عَلي بن عَلي القُصيع (1950م – 2026م)

"رحلةُ عُمرٍ بين مَحاريبِ القَبيلة، ودَهاليزِ السِّياسة، ومَيادينِ التَّنمية" 

الاستهلال: غيابُ المنارة

في يومٍ تلبَّدت فيه سماء ريمة بالحزن، ودَّعت المحافظة، ومعها اليمن كلُّه، واحدًا من أعلامها الكبار الذين لا يتكررون كثيرًا في تاريخ المجتمعات. رحل الشيخ علي بن علي القصيع، شيخ مشايخ مديرية مزهر وشيخ مشايخ محافظة ريمة، بعد مسيرةٍ طويلةٍ امتدت لعقود من البذل والإصلاح والعمل العام. لم يكن رحيله فقدانَ شخصٍ فحسب، بل غيابَ مدرسةٍ في الحكمة، وضميرٍ اجتماعيٍّ كان حاضرًا عند الملمات، وصوتٍ وازنٍ حين تختلط الأصوات.

كان الشيخ القصيع من أولئك الرجال الذين إذا ذُكروا اقترن اسمهم بالثبات والاتزان، وإذا حضرت سيرتهم حضرت معها قيم الجمهورية والوسطية والمروءة اليمنية الأصيلة.

الجذور والنشأة: من «بُكال» تشكّلت الملامح الأولى للقيادة

وُلد الشيخ علي بن علي بن علي القصيع عام 1950م في قرية القصيع، بعزلة بُكال، مديرية مزهر، محافظة ريمة؛ تلك الرقعة الجبلية التي لا تُنبت الرجال إلا أصلابًا في المواقف، واضحين في المبادئ، معتزين بالأرض والهوية. وفي هذه البيئة الريمية الصارمة، حيث تختلط القيم القبلية بالأخلاق الدينية، تشكّلت ملامح شخصيته الأولى.

نشأ الفقيد في بيت مشيخة عريق، فهو أصغر أبناء الشيخ علي بن علي القصيع، أحد وجاهات بكال ومرجعياتها الاجتماعية. ولم تكن نشأته في بيت المشيخة ترفًا اجتماعيًا أو امتيازًا وراثيًا، بل مسؤولية مبكرة؛ إذ تعلّم منذ نعومة أظفاره أن المشيخة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن القيادة لا تقوم على الجاه وحده، بل على العدل، والحكمة، وتحمل أعباء الناس.


في هذا البيت، تربّى على سماع قضايا الخصومات، ومجالس الصلح، وأحاديث الرجال الكبار عن الشرف، والوفاء، وحق الجار، وحرمة الدم. فتشرّب قيم حل النزاعات، ونبذ الثأر، وإصلاح ذات البين، وهي القيم التي ستلازمه طوال حياته، وتصبح السمة الأبرز في مسيرته القبلية والوطنية.

كما كان لبيئة ريمة الطبيعية أثرها العميق في تكوينه؛ فجبالها الشاهقة منحته الصلابة، ووديانها الخصبة أكسبته سعة الصدر، بينما غرست فيه حياة الريف معنى الاعتماد على النفس، والصبر، والاقتراب من هموم البسطاء. لذلك ظل، رغم اتساع أدواره لاحقًا، ابن القرية في تواضعه، وقريبًا من الناس في لغته وسلوكه.

ولم تكن نشأته محصورة في الإطار القبلي فقط، بل رافقها اهتمام مبكر بالثقافة العامة، والاستماع إلى الشعر، ومجالسة الأدباء والوجهاء، ما أسهم في صقل شخصيته، وجعل منه لاحقًا نموذجًا نادرًا للشيخ الذي يجمع بين الزعامة الاجتماعية، والوعي الثقافي، والحس الوطني.

هكذا تشكّلت الجذور الأولى للشيخ علي بن علي القصيع:

من أرضٍ تعرف الرجال،

ومن بيتٍ يعلّم المسؤولية،

ومن بيئةٍ لا تصنع الزعامة بالكلمات، بل بالفعل والموقف.

حسنًا، هذا المحور الثاني بصيغة أدبية توثيقية مفصّلة، منسجمة مع أسلوب المكانة الأدبية ومحور الجذور والنشأة:


الدور القبلي: حكمةٌ مبكرة وقيادةٌ متدرّجة

لم تكن الزعامة القبلية لدى الشيخ علي بن علي القصيع قفزةً مفاجئة، ولا نتاج ظرفٍ عابر، بل جاءت ثمرة تدرّج طبيعي فرضته الحكمة، وكرّسته التجربة، وأقرّته ثقة الناس. فمنذ شبابه المبكر، برز اسمه في مجالس الصلح، وبدأ حضوره يتجاوز حدود قريته إلى نطاق عزلة بكال، ثم إلى مديرية مزهر بأكملها.

اتسم أداؤه القبلي بسماتٍ نادرة:

نَفَسٌ طويل في معالجة القضايا،

وقدرة على استيعاب الخصوم دون انحياز،

وحزمٌ هادئ لا يستفز، لكنه لا يفرّط في الحقوق.

لم يكن الشيخ القصيع من دعاة الاحتكام إلى القوة أو تغليب السطوة، بل آمن بأن هيبة الشيخ تُبنى بالكلمة العادلة، وبأن الصلح الحقيقي هو ذاك الذي يخرج منه الخصمان راضيين لا مغلوبين. ولهذا، عُرف في الأوساط القبلية بحَكَمٍ يُطمأن إلى حكمه، ومرجعٍ تُقبل وساطته.

من شيخ عزلة إلى مرجعية محافظة

في عام 1983م، انتُخب الشيخ علي بن علي القصيع شيخًا لعزلة بكال خلفًا لوالده، في انتقالٍ هادئ للقيادة حافظ على مكانة الأسرة، وفتح في الوقت ذاته أفقًا جديدًا لمشيخة أكثر انفتاحًا على قضايا المجتمع والتنمية. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح بيته محطةً دائمة للمتخاصمين، ومقصدًا للباحثين عن الحلول.

ومع اتساع تجربته، لم يعد حضوره محصورًا في إطار العزلة أو المديرية، بل تحوّل تدريجيًا إلى مرجعية قبلية لمحافظة ريمة، يُستدعى اسمه في القضايا الكبرى، ويُحتكم إلى رأيه عند تعقّد المسائل.

محطة 2008م (شيخ مشايخ ريمة وتوافقات المرحلة)

تتويجاً لمسيرته الاجتماعية، شهد عام 2008م انتخابه شيخاً لمشايخ محافظة ريمة. وتوثيقاً للمرحلة التاريخية، فقد جاء انتخابه تالياً لانتخاب الشيخ عنان شايع (خلفاً لوالده الشيخ شايع عز الدين ) في عام 2007م، حيث تعاملت مصلحة شؤون القبائل بحكمة إدارية واجتماعية باعتبار كل منهما شيخاً على المشايخ الذين انتخبوه، ليظل الشيخ القصيع رقماً صعباً ومرجعية وازنة لا يمكن تجاوزها في المعادلة القبلية.

قيادة بلا صخب

ظل الشيخ القصيع، حتى في ذروة مكانته القبلية، بعيدًا عن الاستعراض أو التنافس، مؤمنًا بأن القيادة القبلية الحقة لا تُمارَس بالضجيج، بل بالاتزان، وحفظ السلم الاجتماعي، وتجنيب المجتمع ويلات الانقسام. ولهذا، بقي اسمه مرتبطًا بالتهدئة، وجمع الكلمة، وصون النسيج الاجتماعي لريمة، في مراحل عصيبة من تاريخ اليمن.

لقد مثّل الشيخ علي بن علي القصيع نموذج القيل اليماني الذي يجمع بين الإرث والتجديد، وبين قوة العرف وروح الدولة، فاستحق أن يكون واحدًا من أبرز أعمدة القيادة القبلية في محافظة ريمة، واليمن عمومًا.

العمل التعاوني وبناء المجتمع: من المشيخة إلى تنمية الإنسان

آمن الشيخ علي بن علي القصيع بأن الزعامة القبلية لا تكتمل ما لم تتحول إلى مشروع نافع للناس، وأن الأمن الاجتماعي لا ينفصل عن التنمية، مهما كانت إمكاناتها محدودة. ومن هذا الوعي المبكر، كان حضوره في العمل التعاوني واحدًا من أبرز ملامح سيرته، وأعمقها أثرًا في حياة المجتمع الريمي.

الريادة التعاونية المبكرة

في عام 1978م، انتُخب الشيخ علي القصيع رئيسًا للمجلس التعاوني لمديرية الجبين، في مرحلة كانت فيها الحركة التعاونية تمثل الأداة الأهم لتوفير الخدمات الأساسية، وشق الطرق، وبناء المدارس، في ظل محدودية إمكانات الدولة آنذاك. وقد أدار هذا الدور بعقلية الشيخ المسؤول، لا الإداري المنعزل، فجعل من العمل التعاوني امتدادًا طبيعيًا لدوره الاجتماعي.

لم يتعامل مع التعاونيات بوصفها هياكل إدارية جامدة، بل بوصفها إرادة مجتمع، فحرص على إشراك الناس، وتحفيزهم على العمل الجماعي، وترسيخ ثقافة الاعتماد على الذات، وهو ما انعكس إيجابًا على مستوى التفاعل الشعبي مع المشاريع التنموية.

مرحلة الاستقلال التنظيمي: هيئة تعاون الجبين

وفي عام 1987م، شهدت محافظة ريمة تحولًا تنظيميًا مهمًا، تمثّل في فصل تعاونيات المديريات عن هيئة تعاون ريمة، لتصبح لكل مديرية هيئة مستقلة. وفي هذا السياق، انتُخب الشيخ علي بن علي القصيع رئيسًا لهيئة تعاون الجبين، تأكيدًا لثقة المجتمع بقدرته على القيادة، وإدارة الشأن العام بنزاهة وحكمة.

وخلال هذه المرحلة، لعب دورًا محوريًا في دعم مشاريع البنية التحتية المجتمعية، وفي مقدمتها:

• شق الطرق الريفية.

• دعم التعليم والخدمات الأساسية.

• تعزيز روح التكافل والتعاون بين القرى.

وكان حضوره في هذه المشاريع حضورًا ميدانيًا، لا يكتفي بالتوجيه من بعيد، بل يشارك، ويشرف، ويحتكم إلى الناس في اتخاذ القرار.

التعاون كمدرسة وطنية

لم ينظر الشيخ القصيع إلى العمل التعاوني كمرحلة عابرة، بل اعتبره مدرسة وطنية تُدرّب المجتمع على المشاركة، وتحمل المسؤولية، واحترام المصلحة العامة. ولهذا ظل فاعلًا في المجالس المحلية، ومساندًا لأي جهد جماعي، حتى بعد قيام الوحدة اليمنية، حين بدأت الدولة تتوسع في تقديم الخدمات.

وقد أسهم هذا الدور في ترسيخ صورته بوصفه شيخًا يبني ولا يكتفي بالتحكيم، ويصل بين العرف القبلي ومفهوم التنمية الحديثة، في واحدة من أنجح تجارب التزاوج بين القيادة الاجتماعية والعمل المدني في ريمة.


الريادة السياسية والتأسيس الوطني: من مشيخة إلى مؤسسية الدولة

لم يكن الشيخ علي بن علي القصيع مجرد شاهد على التحولات السياسية في اليمن، بل كان رائدًا ومشاركًا فاعلًا في صياغة أولويات الدولة الحديثة، واضعًا لبنات العمل السياسي المنظم بروح وطنية صادقة، بعيدًا عن الانتماءات الضيقة أو الأهواء الشخصية.

عضو مؤسس للمؤتمر الشعبي العام

في عام 1982م، كان الشيخ علي من بين الأعضاء المؤسسين للمؤتمر الشعبي العام، في خطوة تعكس وعيه الوطني المبكر، ورغبة القيادة السياسية في الاستفادة من خبرته القبلية والاجتماعية. كان اختياره ضمن ألف المؤسسين اعترافًا برجاحة عقله، وصدق نيته، ومكانته بين اليمنيين عامة وريميّة خاصة.

لم يقتصر دوره على التوقيع على وثيقة التأسيس، بل ظل فاعلًا في تكوينات المؤتمر ومتابعة نشاطاته، وساهم في تشكيل اللجنة الدائمة، مؤكدًا أن العمل الحزبي وسيلة لخدمة الوطن والمجتمع لا غاية للسلطة، وأن الحزب الحقيقي هو الذي يضم القلوب قبل أن يضم الأعضاء.

النهج الوطني قبل الحزبي

تميز الشيخ القصيع في مشاركته السياسية بـ قدرته على التوافق والتوسط بين القوى المختلفة، فقد استقطب احترام الجميع، سواء أكانوا من الإصلاح أم من المؤتمر، وكان حلقة وصل بين مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية.

هذا النهج أتاح له لاحقًا أن يكون رجل إجماع شعبي، لا يُنظر إلى انتمائه الحزبي باعتباره تقييدًا، بل باعتباره خدمة للأرض والناس. وهكذا كان مثالًا حيًا على أن السياسة الحقيقية تقوم على المبادئ لا على الانتماء الحزبي، وعلى أن القيم الوطنية فوق كل اعتبار.

أثر الريادة على المجتمع

كان للشيخ علي تأثير مباشر على بناء المشهد السياسي المحلي في ريمة، من خلال:

• تشجيع المشاركة الشعبية في الانتخابات واللجان.

• تعزيز دور العرف القبلي ضمن الإطار الوطني الحديث.

• دعم المشاريع التنموية بالتوازي مع العمل السياسي.

لقد جسّد الشيخ علي بن علي القصيع التوازن بين التقليد والحداثة، بين السلطة والخلق، بين المرجعية القبلية والممارسة الوطنية، فكان بذلك ركيزة وطنية لا يغيب أثرها في مسيرة اليمن السياسي والاجتماعي.

المسيرة البرلمانية: رجل الإجماع الشعبي

تجسدت ثقة الجماهير بالشيخ علي بن علي القصيع من خلال مسيرته البرلمانية المتميزة، التي لم تكن مجرد تقلّد مناصب، بل مسيرة تمثيل حقيقي لقضايا الناس، ومسعى دؤوب لتفعيل صوت المجتمع المحلي داخل مؤسسات الدولة.

البداية مع التجمع اليمني للإصلاح

في أول انتخابات برلمانية بعد الوحدة اليمنية، الدورة الأولى (1993–1997م)، ترشح الشيخ علي عن الدائرة 225 باسم التجمع اليمني للإصلاح، وفاز بثقة ناخبيه. وكان حضوره في المجلس حافزًا لوضع قضايا ريمة على جدول الأولويات الوطنية، بما في ذلك تطوير البنية التحتية، والتعليم، وخدمات الصحة، والحفاظ على الأمن الاجتماعي.

الدورة الثانية مع المؤتمر الشعبي العام

وفي الدورة الثانية (1997–2003م)، انتقل الشيخ علي إلى المؤتمر الشعبي العام، ممثلًا نفس الدائرة. ولم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير حزبي، بل كان تقديرًا لحجمه الوطني ومكانته المجتمعية، إذ أن القلوب تتجه إليه أكثر من توجهه لأي حزب. وهكذا أصبح حزبًا بذاته، قبلة للقيم والمبادئ، ورمزًا للوحدة الوطنية فوق الانتماءات الحزبية.

مساهماته البرلمانية

طوال فتراته النيابية، تميز الشيخ علي بن علي القصيع بـ:

• طرح القضايا التنموية لريمة على المستوى الوطني.

• المحافظة على التوازن بين التمثيل المحلي والمصلحة العامة.

• التوسط بين مختلف الأطراف السياسية داخل المجلس وخارجه، ما أكسبه احترام جميع الزملاء والجهات الرسمية.

وقد كان دوره في البرلمان امتدادًا طبيعيًا لمسيرته القبلية والاجتماعية؛ إذ جمع بين الحكمة، والوسطية، والقدرة على التوافق، فأضحى أحد أبرز رموز الإجماع الشعبي والسياسي في محافظة ريمة.

نهاية المسيرة البرلمانية

بعد انتهاء دورة 2003، خاض الشيخ علي منافسة انتخابية ضد الأستاذ مفضل إسماعيل الأبارة، وانتهت المنافسة بسقوطه في تلك الانتخابات، لكنه ظل رمزًا وطنيًا ومرجعًا حكيمًا، يحترمه الجميع، ويعود إليه الناس في كل القضايا الكبرى، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية.


المكانة الأدبية والتوثيقية: حين يتحوّل الشعر إلى وثيقة وطنية

لم يكن الشيخ علي بن علي القصيع شيخ قبيلة فحسب، ولا سياسيًا برلمانيًا وحسب، بل كان عالِمًا أديبًا امتلك ناصية الكلمة، وأدرك مبكرًا أن الشعر في اليمن ليس زينة لغوية، بل أداة وعي، ووسيلة مطالبة، وسجلًا للتاريخ الاجتماعي والسياسي.

اتسمت ذائقته الأدبية بالرصانة والجزالة، وكان شديد العناية بالفصاحة والبلاغة، محبًا للشعراء، منصتًا للنص الجيد، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة قادرة على اختراق الجمود وصناعة التحول. وقد تجلت هذه المكانة الأدبية بوضوح في مساجلاته الشعرية مع كبار وجهاء اليمن، التي لم تكن سجالات مجاملة، بل حوارات فكرية وأدبية راقية.

وثيقة 1981م: القصيدة التي خلدت ريمة وهمومها

من أبرز الشواهد على مكانته الأدبية، القصيدة التاريخية التي نظمها الشيخ علي بن علي القصيع، وردّ عليها الشيخ أحمد علي المطري عند وصوله إلى محافظة ريمة في يناير 1981م، رئيسًا للجنة الإشراف على مهرجانات الاستفتاء على الميثاق الوطني.

جاءت هذه القصيدة – والرد عليها – بمثابة وثيقة أدبية – سياسية – تنموية نادرة، وثّقت واقع ريمة آنذاك، وكشفت حجم الحرمان التنموي، ودعت بجرأة ووعي إلى:

• شق الطرق وربط القرى.

• تجاوز الخلافات القبلية.

• الاعتماد على الذات والعمل التعاوني.

• إدراك أن الطريق هو مفتاح التنمية والاستثمار.

وقد خاطب المطري في قصيدته الشيخ القصيع بعبارات دالة على مكانته، ومنها قوله:

يا قصيع الجود والجود لكم

سار طبعًا ما له من منكر

كما وصفه بقولـه:

يا همامًا من بكال أصله

كابرًا عن كابرٍ من حمير

وهي إشارات واضحة إلى جذوره الحميرية، ومكانته القبلية، وسمعته الأخلاقية.

ولم تقتصر القصيدة على المديح، بل تحولت إلى خطاب تنموي مباشر لأبناء ريمة، حاثًا إياهم على العمل وشق الطرق، ومقارنًا وضعهم بمناطق يمنية أخرى سبقتهم في هذا المجال، في واحدة من أصدق وأجرأ الدعوات الشعرية للتنمية المحلية في تاريخ المحافظة.

لقد حفظت هذه القصيدة – مع ما دار حولها من سياق – اسم الشيخ علي بن علي القصيع في ذاكرة الأدب اليمني المحلي، بوصفه شيخًا جعل من الشعر وسيلة بناء لا أداة خصومة، ومن الكلمة جسرًا بين السلطة والمجتمع. 



السجال الشعري بين القصيع والمطري 

وفي القصيدة توثيق للوضع السياسي و التنموي والاجتماعي في ريمه انذاك.  مع نصائح واشادات.  أتمنى ان تقرأ كلها وهي كما يلي:

 

مرحبا ما شن مزن المطر

الف اهلا بعقود الدرر

 

مرحبا بابيات من خير فتى

من بلاد الريف او في الحضر 

 

صاغها فحل وفي الشعر له

 ثورة في نظمه مشتهري

 

ياجمال الدين يا خير اخ

عفوك اعذرني انا معتذري

 

لم أكن يوما أديبا يا اخي

لم اقول الشعر دايم  عمري

 

يا سليل الأكرمين اشكركم

الف شكر وسلام عطري

 

ياقصيع الجود والجود لكم

سار طبعآ ماله من منكر

 

شعرك اليوم لقد أعجبني

أنظم الشعر وأروي خبري

 

يا هماما من بكال أصله

كابرا عن كابر من حمير

 

يعجز التعبير عن وصفكم

فخركم فاق على المفتخر

______________

 

في مهمتنا وصلنا ريمة

قابلونا بعظيم الخبر

 

 وبشاشا مارئينا مثله

كل شخص جاءنا مستبشري

 

ومضافا لم يكن يقدر على

مثله الا كريم العنصر

 

مذ وصلنا قابلونا اخوة

أكرمونا بالجميل الأكبر

 

ووجدنا قمة الأخلاق في

ريمة الامجاد أهل المفخر

 

قابلوا الميثاق بأحلى فرحة

وبوجه المخلص المستبشر

 

واعلنوا الشكر لما جئنا به

وهتافا يا بلادي كبري

 

واعلنوا تاييدهم للقائد

العام من في رأيه منتصري

 

واستعدوا أن يكونوا كتلة

وعلى الاعداء شهابا مسعري

 

ومع القائد العام علي

وجنودا يضرب المستهتري

 

يبذل الدم رخيصا في

 سبيل  المبادئ والجهاد الاكبري

 

ومع القائد في خطواته

لا يبالوا بعميل منكري

_______________

 

أيه يا ريمة هيا شمري

ومن الحرمان والجهل أعبري

 

انهضي فالنور ملء البصر

وحذاري من رجوع القهقري

 

لو سألنا أهلك ما بالهم

اصبحوا لا يرقبون الخطري

 

كيف تبقى هذه الارض بلا

اي مشروع مفيد مثمر

 

رغم ان الكل منهم ميسر

 لم يكن منهم فقير معسري

 

لأجاب الشم قولا  ناطقا

للقرى لابد ما تنتصري

 

والخلافات التي ما بينهم

جعلت كل بناء عسر

 

يا شباب اليوم لا تنتظروا

اي خير من غريب زائر

 

 واعملوا الخيرلنهتم بكم 

لا تكن ريمة كالمحتضر

 

حققوا في أرضكم مطلبها

تنتشل من عمق تلك الحفر

 

يا بني ريمة هذه أرضكم

ابذلوا الجهد لكي تزدهري

 

وبشق الطرقات اجتهدوا

وازيحوا كل صخر عسر

 

فالطريق الخير ياتي عبرها

وتنالوا  بالطريق الوطر

 

فهي مفتاح المشاريع كما

سوف ترتاحوا  عناء  السفر

 

والبناء سهل لمن يتبعكم

سيكون النقل فوق الموتر

 

شريان الخير قالوا طرقا

انها المفتاح للمستثمر

 

فانظروا ما حولكم يا أخوتي

في وصاب وبراع الأكبر

 

ذللوها مهدوها طرقا

لم يعد فيها طريقا وعري

_______________

 

ريمة الخضراء ما أجملها

وقت علان بلدنا اخضر

 

مثلما العسجد في صورته

في الشتاء طابت باحلى منظر

 

كم راينا جدولا يجري بها

ونغيم الطير فوق الشجر

 

وترى العشب بها مخضرة

لا يرى فيها محلا اغبري

 

ايها الأخوان هيا اجتهدوا

ودعوا الماضي ازيلوا الضرر

 

فمصير المنطقه وابناءكم

رهن أيديكم وكالمنتظر

 

حققوا امالهم لا تكسلوا

ما عملتم هو خير المتجر

____________

 

واخي الشاعر الشهم الذي

نظم بياتا اطابت خاطري

 

القصيع  الاكرم الفذ علي

نجل  من في ارضنا مشتهري

 

وسلام بالغ لاخوانه

وجميع اصحابه منحصري

 

وابن جعمان الوفي منا له

التحيات بعطر العنبري

 

ذاك يحيى الشهم دوما وافيا

صادق من كل امر وجري

 

وطنيا في سبيل الشعب لها

يخش من طاغ ولا من خطر

 

وابلغ المقداد ما هب الصبا

كل يوم بسلام عطري

 

وكذا الفخري عبد الله من

له صيت بالمكارم عامري

 

وطلال الجيد في الشورى له

ذكريات عم به  من جعفري

 

حيدر الشاعر ذاك الالمعي

جاد بالالفاظ نعم الوتر

 

والهمام ابن امين من له

مكرمات ووفاء نادر

 

 وابلغوا عنا المشايخ كلهم

الف شكر عد ذكر الذاكري

 

 وسلام ما نزل مزن وما

 سال واسقى كل حول أخضر

 

 مبلغ ابناء القضاء كلهم

في النواحي والقرى والمهجري

 

 واخيرا امنحوني عفوكم

يا كرام الحي يا هل البصري

___________________

 

 الجبين  في 3/1/1981

احمد علي المطري

______ تمت _______

 

ملاحظات:

_ ياقصيع الجود:  هو علي بن القصيع

_ من بكال: هي عزلة بكال وهي ايضا من حمير سبق ان شرحناها في منشور خاص

_ الموتر:  سيارة النقل

_ وابن جعمان الوفي:  هو الشيخ يحي محسن الحعماني كبير وجهاء ريمة وقائدها وكان مضيف رئيس وأعضاء اللجنة مع مرافقيهم والعساكر والصحفيين. جهز كل غرف ببته المكون من ثلاثة أدوار للاقامة مع كامل الضيافة. 

_ المقداد:  الشيخ حسن محمد المقداد

_ الفخري عبدالله:: هو الاستاذ الشيخ عبدالله عزي النوفاني

_ طلال الجيد:  الاستاذ طلال يحي زيد رئيس تعاون الجعفرية. 

_ حيدر الشاعر:  محبكم حيدر علي ناجي العزي

_ الهمام ابن أمين:  الشيخ احمد محمد امين

______'_______

مع تحيات: حبدر علي ناجي العزي

الوداع الأخير: مشهد الوفاء التاريخي

في يوم الثلاثاء 24 رجب 1447هـ / 13 يناير 2026م، رحل الشيخ علي بن علي القصيع عن هذه الحياة بعد مسيرة حافلة بالعطاء الوطني والاجتماعي والقبلي، تاركًا خلفه إرثًا لا يُمحى، وأثرًا باقٍ في قلوب من عرفوه.

التشييع والوداع الشعبي

لقد شهدت مسقط رأسه، قرية القصيع بعزلة بكال،يوم الأربعاء 25 رجب 1447هـ / 14 يناير 2026م  حضورًا شعبيًا ورسمياً واسعًا، جمع بين الأهالي، والشخصيات الرسمية، والوجهاء، والمشايخ، الذين أرادوا تكريم رجل قضى عمره في خدمة ريمة والوطن. وكانت مراسم الدفن انعكاسًا صادقًا لمحبة الناس وثقتهم في الشيخ، إذ لم تكن مجرد واجب اجتماعي، بل تعبير عن عرفان القلوب برجل جمع بين الحكمة والوسطية والنزاهة.

إرث مستمر

لم يكن رحيله نهاية لمسيرته، بل بداية لاستمرار إرثه في أبنائه وخلفائه في القيادة الاجتماعية والقبلية، حيث اختير ابنه الشيخ علي الابن خلفًا لوالده شيخًا لعزلة بكال، ليواصل المشوار نفسه. وقد ظل ذكراه منارة للأجيال القادمة في ريمة واليمن الكبير، وسجلًا حيًا لما يمكن أن يكون عليه القائد الوطني والاجتماعي الذي يوازن بين العرف والحداثة، وبين المبدأ والخدمة العامة.

الخاتمة

إن وداع الشيخ علي بن علي القصيع لم يكن وداعًا شخصيًا فحسب، بل رمزًا لفقدان قيمة وطنية ومجتمعية، فقد رحل الطود وبقي الأثر، وغابت المنارة، لكن السيرة العطرة تظل منارة للأجيال، تذكرهم بأن الحكمة، والوسطية، والصدق، والعمل من أجل الناس، هي التي تصنع القيادات الحقيقية.

مرثيات 

عظَّمَ اللهُ أَجْرَنا يا "بَـكَـالُ"
هكذا تفقدُ الرِّجالَ الرِّجالُ 

في "عليٍّ" علا مقاماً وقدراً
جبلاً .. دُوْنَهُ تقومُ الجبالُ 

خيرِ مَن أَنْجَبَتْهُ "ريمةُ" شيخاً
فِعلُهُ فِعلُ حِكمةٍ .. والمَقَالُ 

فقدتْ ريمةُ الأبيّةُ فرداً
واحداً.. مالهُ عليها مِثالُ ! 

فقدتْ شيخَها أباها فَتاها
رُكْنَها حِصنَها الذي لا يُطَالُ 

فقدتْ ضوءَها وبَدرَ سَماها
وتبقّى لها "عليُّ" الهِلالُ 

فسلامٌ عليهِ حَيَّاً ومَيْتاً
فهو للسِّلْمِ والسَّلامِ ظِلالُ 


المصادر والمراجع التوثيقية

تم إعداد هذه السيرة والمادة الأدبية والتاريخية اعتمادًا على مجموعة من المصادر المكتوبة والشفوية الموثوقة، أبرزها:

1. الأستاذ حيدر علي ناجي العزي

– مؤرخ محافظة ريمة، ومنشوراته التوثيقية حول:

o السجالات الشعرية لعام 1981م.

o الحياة السياسية والاجتماعية للشيخ علي بن علي القصيع.

o معلومات الدوائر الانتخابية والانتماءات السياسية.

2. الأستاذ حفظ الله المقري

– تقريره الميداني وتوثيقه ليوم العزاء الأول، وشهاداته حول المكانة الاجتماعية والوطنية للفقيد.

3. الأستاذ عبدالسلام القصيع

– السيرة الذاتية المرسلة للشيخ علي بن علي القصيع، والمتضمنة تفاصيل الميلاد والنشأة، والدور القبلي، والمناصب التعاونية والقبلية.

4. السجلات البرلمانية اليمنية

– بيانات عضوية مجلس النواب:

o الدورة الأولى (1993–1997م) عن التجمع اليمني للإصلاح.

o الدورة الثانية (1997–2003م) عن المؤتمر الشعبي العام.

5. أرشيف المؤتمر الشعبي العام

– وثائق التأسيس (1982م)، وعضوية اللجنة الدائمة الرئيسية.

6. وثائق وهيئات التعاون

– رئاسة المجلس التعاوني لمديرية الجبين (1978م).

– رئاسة هيئة تعاون الجبين بعد فصل تعاونيات ريمة (1987م).

7. القصيدة الأصلية للشيخ أحمد علي المطري

– المؤرخة في: الجبين – 3/1/1981م، والمنشورة لإحياء ذكرى الشاعرين المطري والقصيع، باعتبارها وثيقة تاريخية وأدبية واجتماعية.

اعاد الصياغة والتجميع 

 م.محمد غالب السعيدي 

17 يناير 2026م  

 

تنبيه هااااااام 

نسمح بالنسخ والنشر على مواقع التواصل الاجتماعي شريطة احترام حقوق الملكية . ذكر المصدر اسم كاتب الترجمه واسم الصفحة مع الرابط  المرفق للصفحة على الفيسبوك  من هنا

تنبيه هااااااااام جدا 

الصفحة مختصة بتجميع الترجمات لشخصيات و اعلام  من ابناء محافظة ريمة من جميع التيارات و الانتماءات الفكرية والسياسية والثقافية والدينية دون تمييز في العرق والجنس واللون  والانتماء السياسي والمذهبي .

google-playkhamsatmostaqltradent